اعلم أن الغرض من تشريع الحج ، هو استيعاب هذه الحقيقة وهي أن الهدف من خلق الإنسان هو معرفة الله ، والوصول إلى حبّه ، والانس به ، ولا يمكن حصول هذين الأمرين إلا بتصفية القلب ، وهي بدورها لا تتم إلا بكفّ النفس عن الشهوات والانقطاع عن الدنيا الدنية ، وإيقاعها في المشاق من العبادات الظاهرية والباطنية ، ولهذا لم يجعل الشارع العبادات على نسق واحد بل جعلها مختلفة متنوعة .. إذ أن بكل عبادة من هذه العبادات تزول رذيلة من الرذائل .. فبالصدقات والحقوق المالية ينقطع الميل إلى الحطام الدنيوي .. وبالصوم تنقطع الشهوات النفسانية .. وبالصلاة يتم النهي عن الفحشاء والمنكر ، وهكذا سائر العبادات ..
أما الحج فهو مَجمعٌ لهذه العناوين المتكثرة ، إذ أنه مشتملٌ على مشاق العبادات التي تفي كل واحدة منها بإزالة رذيلة من هذه الرذائل مثل : إنفاق المال الكثير ، والانقطاع عن الأهل والأولاد والوطن، ومعاشرة النفوس الشريرة ، وطي المنازل البعيدة ، مع الابتلاء بالعطش في الحر الشديد ، والقيام بأعمال غير مأنوسة لا يقبلها الطبع الأولي من الرمي ، والطواف ، والسعي ، والإحرام وغير ذلك.
كما أن في الحج فائدةً أخرى وهي تذكّر أحوال الآخرة ، برؤية أصناف الخلق في صعيد واحد ، على نهج واحد لا سيما في الإحرام والوقوفين ، وكذلك الوصول إلى محل الوحي ونزول الملائكة على الأنبياء ، من لدن آدم إلى النبي الخاتم (ص) ، والتشرف بموضع أقدامهم الطاهرة ، كل ذلك إلى جانب التشرف بالحرم الإلهي الموجب لرقة القلب ، والمورث لصفاء النفس.
إن على العبد أن يعلم أن الإسلام - كما ورد - قد استبدل الرهبانية بالجهاد والحج .. وهو لا يصل إلى هذه الكرامة الا بملاحظة آداب ومراسم وهي:
الأولى : أن يجعل العبد عباداته كلها بنية صادقة ، قاصداً امتثال أمر المولى فحسب ، ليتحقق بذلك تلك العبادة كما أرادها الله تعالى .. فعلى الحاج - قبل الحج - أن يراجع نيته ويجعلها خالصة لمن يهمّ بزيارته ، متحاشياً غير ذلك من المقاصد الباطلة : كطلب الجاه ، والتخلص من مذمّة الخلق بتفسيقهم له ، أو حتى الخوف من الفقر - كما ورد من أن تارك الحج يُخشى عليه من الفقر - أو السعي للتجارة والسياحة في البلاد .. فلو التفت الحاج إلى بطلان قصده ونيته ، لزمه إصلاح ذلك أولاً ، والالتفات إلى قبح الورود على ساحة مالك الملك والملكوت، بهذه الحالة من الانصراف إلى مثل تلك الأمور السخيفة .. وهذا مما يوجب الخجل والوجل ، لا العجب والغرور.
الثاني: أن يهيء نفسه للمجالسة الروحانية ، وذلك بالإتيان بتوبة جامعة كاملة بكل مقدماتها ، كرد الحقوق المالية : من الخمس والمظالم والكفارات .. أو غير المالية : كالاستحلال من الغيبة ، والإيذاء ، وهتك الأعراض ، وسائر الجنايات بالتفصيل الذي ذكر في محله.. وكذلك الاستحلال من والديه ومن هما مصدر وجوده .. ثم الوصية بمحضر الشهود من دون تضييق على الوصّي في كيفية صرف ثلث أمواله ، لئلا يوقع مسلماً في حرجٍ بعد وفاته.. وبعد هذا كله يوكل أمر أهله وعياله إلى الكفيل المتعال ، فإنه خير معين ونعم وكيل.
والحاصل أن على الحاج أن يقطع علائقه كلها ، ليتوجه بعد ذلك بكله إلى الله تعالى ، محتملا بل مفترضا عدم العود من سفره هذا إلى وطنه.. فيكون شأنه شأن من يحتمل الموت في كل لحظة من لحظات حياته .
الثالث: أن يتحاشى أسباب انشغال القلب في هذا السفر العظيم ، لئلا يذهل عن محبوبه في حركاته وسكناته ، سواء كان سبب ذلك الذهول شخصاً أو مالاً .. ومن هنا لزم عليه أن لا يصطحب في سفره من يشغله عن همّه الأوحد .. ولهذا يحسن السفر مع من يغلب عليه الذكر ، ليكون مذكّراً له في هذا السفر الإلهي ، كلما غلب عليه الذهول عن الحق .
الرابع: السعي في أن تكون نفقة الحج من المال الحلال .. وأن يوسّع على نفسه وغيره في هذا الطريق ، إذ أن درهما يُنفقه في الحج - كما ورد - بسبعين درهما.. فهذا الإمام السجاد (ع) - وهو أزهد الزاهدين - كان يأخذ معه ما لذّ من الطعام ..
ومما يترتب على هذه المشاعر ، أنه لو فقد الحاج متاعاً في طريقه ، أو سُرق منه
شيء ، فإنه لا يغتم لذلك ، بل يدخل عليه الفرح والسرور، إذ قد عُوّضَ بما فَقَده
أضعافاً مضاعفة في الديوان الأعلى ، عند أكرم الأكرمين.
فلو أن عبداً تحمل الأذى في زيارة سلطان من سلاطين الدنيا ، لتدارك له ذلك السلطان
ما فات منه بما أمكنه ، ولا سيما إذا دعاه لزيارته ، فكيف ظنك بأقدر القادرين
وأكرم الأكرمين؟!..
حاشاً وكلاّ أن يقل كرم المولى الأعظم ، عن كرم أهل البادية الذين نعهد فيهم
ذلك .. نعوذ بالله تعالى من سوء الظن به.
الخامس: أن يُحسّن خُلقه مع رفقته حتى المكاري الذي يسوق دابته .. ويتجنب الفحش من القول ، فإن حسْن الخلق لا ينحصر في كفّ الأذى عن الغير ، بل في تحمل الأذى منه ، بل في خفض الجناح لمن يؤذيه.
السادس: أن يسعى في قضاء حوائج من معه من المؤمنين ، وتعليمهم أحكام الشريعة ، والدعوة إلى المذهب الحق ، وتعظيم الشعائر ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
السابع: الابتعاد عن موجبات التجّمل والتكبر ، إذ أن ما أمر به هودخول الحرم الإلهي بذلّة وهو أشعث أغبر.. كما ورد في المناسك في باب الإحرام.
الثامن: أن لا يتحرك من منـزلة إلا وقد فوّض أمر نفسه وأهله ورفقته وما معه
إلى الله تعالى ، وأودع كل ذلك أمانة لدى الحفيظ العليم.. وهكذا يخرج من منـزلة
متوكلا ًعليه ، متبرأً من حوله وقوّته ، فإنه - جلت عظمته - نعم الحفيظ ، ونعم
المولى ونعم النصير.
وهناك آداب آخرى مذكورة في المناسك ، يحسن الالتزام بها ومنها الصدقة ، فإنه
يشتري بها سلامة سفره .
وبعد ذلك كله ، يتأمل في حقيقة أن هذا السفر هو السفر الجسمي إلى الله تعالى ، وهناك سفر آخر روحي يتمثل في الالتفات إلى أنه لم يأت إلى هذه الدنيا للاستمتاع بملذاتها ، بل خُلِق لمعرفة ربه وتكميل نفسه ، ثم العمل بمقتضى هذا الإلتفات.
.واخيراً نقول : كما أن لسفر الحج زاد ، وراحلة ، ورفيق ، وأمير حج ، ودليل
، فكذلك السفر الروحي، فإنه يحتاج إلى مثل هذه الأمور .. فأما راحلته فهو بدنه
، فلا بد من رعايته باعتدال ، فلا يُرخى له العنان ليستولي على صاحبه ، ولا يضيّق
عليه ليقعُد به الضعف عن المسير ، بل خير الأمور أوسطها.
وأما زاده فأعماله الخارجية التي يُعبّر عنها بالتقوى ، وهي في درجتها النازلة
تستلزم العمل بالواجبات وترك المحرمات ، والإتيان بالمستحبات والاجتناب عن المكروهات
، وأما درجتها العالية فهو الاجتناب عما سوى الله تعالى، وبينهما متوسطات ينبغي
الالتفات إليها .
فحاصل القول : ان كلاّ من فعل الواجبات وترك المحرمات ، بمثابة الزاد في كل
منزل من منازل الآخرة .. ولو حُرم مثلُ هذا الزاد ، وقع في المهالك العظيمة ،
نستجير بالله من هذه البلوى .. وأما الرفقة فهم المؤمنون الذين معه في الطريق
إلى الله تعالى ، وإليه يشير قوله تعالى :
{تعـاونوا على البر والتقوى} . المائدة /2 .. فباتحاد القلوب ووحدة الهمم ، تطير
القلوب إلى المنازل البعيدة.
ومن دون هذا الاجتماع لا يتم المراد ، ومن هنا نهى الشارع عن الرهبانية في هذه الأمّة ، ولقد كان استاذنا - رضوان الله عليه - يقول : إن الأعمال الكبيرة تتم بالقلوب المتحدة ، لا بالقلوب المتفرقة.
وأما أمير الحج في هذا السفر فهم الأئمة الطاهرون (ع) ، فعليك التمسك بحبل ولائهم ليمكنك السفر الى حرم الله تعالى ، وإلا كنت نهباً لشياطين الجن والإنس في أول الطريق ، وهو ما نشاهده في أهل البادية عندما يفقدون أميرهم الذي يذبّ عنهم.. نعم من دخل الحرم كان آمناً ، ولكن هيهات من ورود الحرم من دون إعانة معين.
وأما الدليل في هذا السفر ، فالحق أن الأئمة المعصومين (ع) - وإن كانوا هم الأدلاء على الطريق - لكن لما نحن فيه من دناءة الرتبة وضعف القابلية لتلقي الفيض بلا واسطة ، لزم أن يكون في البين من هو من أهل المعرفة والعمل ، لـيُهتدى به في الأمور الجزئية والكلية، فإنّ تلقّي الفيض الأعظم - من دون هذه الوسائط المستنيرة بنور الله - في غاية التعسّر .
وعلى أي حالٍ ، فإذا وصل الحاج إلى الميقات ، فلينزعْ ثيابه وليلبس ثوبي الإحرام ، وليكن قصده في ذلك خلعَ ثياب المعصية ، ولبسَ ثياب الطاعة والعبودية.. وليتذكر أنه كما دخل الحرم الإلهي عارياً عن متعارف الثياب ، فإنه كذلك يلقى ربه بعد موته عرياناً وحيداً.
وأما عند تنظيف بدنه ، فليستحضر لزوم تنظيف روحه من أدران المعاصي وأوساخها .. وأما عند عقد الإحرام فعليه أن ينوي عقد التوبة النصوحة ، فيحرّم على نفسه - بعزمٍ وإرادةٍ - كل ما حرّم الله تعالى عليه أثناء الحج وبعده.
وأما عند التلبية ، فعليه أن يلتفت إلى حقيقة ما يلبّي به ، فمن جهة يقصد الالتزام بكل طاعة لله عز وجل ، ومن جهة أخرى يعيش حالة الخائف المردد بين الرد والقبول ، فهذا إمامنا زين العابدين علي بن الحسين (ع) يُغمى عليه عند التلبية ، لخوفه من أن يقال له : لا لبيك ولا سعديك ، وليتذكّر في هذه الحالة أيضاً صفة أهل الحشر، الذين هم بين مقبول ومطرود و متحيّر .. وأما عند دخول الحرم فعليه أن يكون متردداً بين الخوف والرجاء ، كمن دخل حمى الملك وهو مقصّر في حق ذلك الملك .. وعليه أن يستحضر شرف البيت العظيم من ناحية ، وكرم صاحبه من ناحية أخرى ، إذ دعاه إلى ضيافته الخاصة وهو أكرم الأكرمين. واعلم أنه - عزّ اسمه - كان يحبّ أن يراك عند بيته ولو مرة واحدة .. وها قد وجدك عنده ، فسله ما تريد ، فإنه أجلّ من أن يردّك في حاجة ، وقد حللت في ساحة قدسه ، وهذا مما لا يُظن في حق أسخياء العرب ، فكيف بالجواد المطلق ؟!.
أما إذا كان السائل جاهلاً بكيفية السؤال ، أو عاجزاً عن حفظ العطية والنوال ، فما هو تقصير الكريم المتعال ؟!إن الهمّ الأعظم لغالبية حجاج البيت الحرام ، هو إنهاء المناسك على سبيل الاستعجال ، للتفرغ بعدها لأمور الدنيا من البيع والشراء ، والمطلوب من الضيف في مثل هذه الأحوال ، أن يكون متوجها للمُضيف بكل وجوده ، مستعداً للعمل بمطلوبه .
فإذا صار الصيام - المندوب في الأصل - مذموماً من دون طلب ، فكيف بالمعاصي في محضر سلطانه وما هي إلا هتكٌ لعرضه ، إذ أن هتك حرمة السلطان إنما هي بمخالفة أمره ونهيه.. وهنا فلنتساءل : كم من حجاج بيت الله الحرام ، من لم يشتغل في حجّه بعشرات المعاصي من الكذب ، والغيبة ، والفحش ، والنميمة ، وتعطيل حقوق الغير وغير ذلك؟!..
وإذا همّ الحاج بالطواف ، فليستذكر هيبة المولى ولزوم الخشية منه ، وعليه أن يتشبّه بالملائكة الذين يطوفون حول عرش ربهم.
واعلم أن الطواف لا ينحصر بطواف الجسم حول البيت ، بل إن الطواف الحقيقي هو طواف القلب بذكر رب البيت ، وإنما فُرضت هذه الأعمال البدنية ، لتكون أمثلةً يُحتذى بها في جانب الأعمال القلبية.
وكما أن التشرّف بالكعبة الظاهرية لا يتم إلا بقطع العلائق عن الأهل والولد، فكذلك التشرّف بالكعبة الباطنية لا يتم إلا بقطع حجب العلائق كلها .. ويستحب إتيان المستجار والحطيم ، واستلام الحجر ، والتعلق بأستار الكعبة ، متشبّها بعبدٍ مقصّر في حق مولاه ، مقبّلاً أقدامه ، متشبّثاً بأذياله ، مناشداً إياه بأحب أحبته لديه ، إذ لا يجد ملجأً وموئلا سواه .. فيا ترى هل يترك مثلُ هذا العبد أذيال مولاه ، من دون أن يأخذ منه رقعة العتق والخلاص؟!..
وإذا أردت أن تسعى فاستشعر حالة العبد المتردد في فناء السلطان ، طامعاً في العطاء ، خائفا من الخيبة والخسران.
وإذا وقفت في عرفات وسمعت ضجيج الخلق بصنوف اللغات ، فتذكر عرصات القيامة وعظيم أهوالها ، وليغلب على ظنك قضاء جميع الحوائج ، فإنه موقف عظيم تمتد فيه الأيدي إلى ساحة الكريم ، وتنقطع القلوب إلى كرمه ، وتشرئب الأعناق إلى إحسانه، وتجرى الدموع خوفاً من هيبته ، فذلك اليوم يوم عطاء السلطان لعامة وفده ، وإلباس وليه الأعظم خِلَع الكرامة ، عجل الله تعالى فرجه وسهّل مخرجه .
وفي ذلك اليوم تصل الرحمة إلى منتهى مدارجها ، لتعم كافّة الخلق ، فقد ورد أن
من أعظم الذنوب أن يقف الحاج بعرفات وهو يظن أنه لم يُغفر له ..
إذ كيف لا يُغفر لمن تعرّض لمغفرته في ذلك الموقف العظيم ، منقطعاً عن الأهل
والمال والولد؟!.. فما هكذا الظن به ولا المعروف من فضله!..
وإذا خرجت من عرفات ودخلت مزدلفة ، فتفأل خيراً بكون عودتك إلى الحرم ثانية علامة من علامات قبول الحج .. وإذا رميت الجمار فاعلم أن روح هذا العمل إنما هو رجمٌ للشيطان في باطنك ، فإن كنت كالخليل كنت كالخليل وإلا فلا!..
وإذا أردت أن تودّع الحرم فكن كفاقد من يعزّ عليك فقدُه ، بحيث يُعلم ذلك من حالك ، فكن مشوش البال منكسر الفؤاد .. وليكن بناؤك على الرجوع في أول زمان ممكن .. فهكذا كان عزم إبراهيم الخليل (ع) لما ترك إسماعيل وهاجر .. وعليك بمراعاة أدب المضيف عند وداعه ، لئلا يحرمك العودة إلى بيته أبد الآبدين ، فإنه وإن كان سريعاً في رضاه ، إلا أنه ينبغي مراعاة الأدب بين يديه مهما أمكن.
واعلم أنه يحسن بالحاج في مكة المكرمة ، أن يتشرف بالبقاع التي تشرفت برسول الله (ص) كغار حراء - للاعتبار لا للتفرّج - ثم يتقرب إلى الله تعالى بركعتين ، كما يحسن به إطالة الوقوف في هذه المشاهد الشريفة ، وخاصة في حجّه الأول.. وإذا أمكنه دخول الكعبة دخلها مراعيا للآداب المأثورة فيها .
واعلم أنه يحسن بالحاج في مكة المكرمة ، أن يتشرف بالبقاع التي تشرفت برسول
الله (ص) كغار حراء - للاعتبار لا للتفرّج - ثم يتقرب إلى الله تعالى بركعتين
، كما يحسن به إطالة الوقوف في هذه المشاهد الشريفة ، وخاصة في حجّه الأول..
وإذا أمكنه دخول الكعبة دخلها مراعيا للآداب المأثورة فيها
* * *
* * *﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾
الحج، ذلك المؤتمر الإسلامي الكبير، والتظاهرة الإيمانية الرائعة التي تشترك
فيها صنوف متعددة من الأجناس، والفئات والطبقات، والقوميات على موعد واحد، وفي
أرض واحدة، يرددون هتافاً واحدا، ويمارسون شعاراً واحدا، ويتجهون لغاية واحدة،
وهي الإعلان عن العبودية والولاء لله وحده، والتحرر من كل آثار الشرك والجاهلية،
بطريقة جماعية حركية، تؤثر في النفس، وتشبع المشاعر والأحاسيس بمستوحيات الإيمان،
ومداليل التوحيد.
والحج كما صرح القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة إلى جانب كونه عبادة وتقرباً
إلى الله سبحانه، فإن فيه منافع اجتماعية، وفوائد ثقافية، واقتصادية، وسياسية،
وتربوية، تساهم في بناء المجتمع الإسلامي، وتزيد في وعيه وتوجيهه، وتساهم في
حل مشاكله، وتنشيط مسيرته.
ففي الحج يشهد المسلمون: أروع مظاهر المساواة، والتواضع، والأخوة الإنسانية،
بالغاء الفوارق والأزياء، وخلع أسباب الظهور الاجتماعي..، والظهور باللباس العبادي
الموحد (لباس الإحرام)، حيث يحس الجميع بوحدة النوع الإنساني..، وبالأخوة والمساواة.
وفي الحج يستشعر المسلمون وحدة الأرض، ووحدة البشر، ويمثلون عملية اسقاط الحدود
التي صنعتها الأنانيات والأطماع البشرية: الاقليمية، والقومية، والعنصرية...
فهم يقطعون آلاف الأميال، ويخترقون كل حواجز الحدود، ويجتازون كل الموانع التي
صنعها الإنسان على أرض الله سبحانه... استجابة لنداء العقيدة، وتلبية لهتاف الإيمان.
وفي الحج يلتقي المسلمون بمؤتمرهم الكبير، فيتذاكرون في شؤونهم، ويتشاورون في
أمور حياتهم وعقيدتهم، ويتبادلون الخبرات والتجارب والآراء والعادات الحسنة،
ويتعرف بعضهم على مشاكل البعض، ويطلع بعضهم على رأي البعض، ويتعرف بعضهم على
أخبار البعض الآخر، فيزداد الوعي، وتنمو المعرفة، وتشخذ الهمم من أجل الاصلاح
والتغيير والاهتمام بشؤون الأمة والعقيدة، فتخطط المشاريع، ويفكر في الأعمال،
وتؤسس المراكز الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويستعين بعضهم بالبعض
الآخر، وكأنهم جسد واحد، وروح واحدة.
والحج بما هو تجمع بشري ضخم، يستقطب الملايين من المسلمين، من مختلف الأقطار
والأمصار، فهو ينتج حركة بشرية هائلة، يتبعها تحرك إقتصادي ومالي ضخم، عن طريق
النقل، والاستهلاك، وحمل البضائع وتبادل النقود، وشراء الأضاحي والحاجيات ومستلزمات
الحج والإقامة والسفر، وفينتفع العديد من المسلمين، ويشهد مجتمعهم حركة اقتصادية
ومالية نشطة.
وفي الحج اعداد وتربية لسلوك الفرد ونوازعه، ففي الحج يتعود الحاج الصبر، وتحمل
المشاق، وحسن الخلق،... من اللطف، والتواضع، واللين وحسن المحادثة، والكرم والتعاطف،
والامتناع عن: الكذب، والغيبة، والخصومة، والتكبر ... الخ.
وفيه يتعود الألفة، والتعارف عن طريق السفر والاختلاط، فتنمو لديه الروح الاجتماعية،
وتتهذب ملكاته الأخلاقية، عن طريق هذه الممارسة التربوية، والتفاعل البشري الرائع،
الذي يشهده في الحج، بأرقى درجات الإلتزام، والاستقامة السلوكية.
* وقد تحدث الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) عن منافع الحج، وفوائده، باجابته
البليغة على سؤال أحد أصحابه (هشام بن الحكم).
قال: هذا الصحابي الجليل للإمام يسأله: ما العلة التي من أجلها كلف الله العباد
بالحج والطواف بالبيت؟
فقال (ع): (إن الله خلق الخلق ... ـ إلى أن قال ـ وأمرهم بما يكون من أمر الطاعة
في الدين، ومصلحتهم من أمر دنياهم، فجعل فيه الاجتماع من الشرق والغرب، ليتعارفوا
ولينزع كل قوم من التجارات من بلد إلى بلد، ولينتفع بذلك المكاري والجمال، ولتعرف
آثار رسول
الله (ص) وتعرف أخباره، ويذكر ولا ينسى... الخ).
* ويتطابق مع هذا التعليل والتحليل شرح حفيده الإمام علي بن موسى الرضا (ع) لمنافع
الحج، وآثاره الاجتماعية التي يجنيها الفرد والمجتمع حين قال: (إنما أمروا بالحج
لعلة الوفادة إلى الله عز وجل، وطلب الزيادة، والخروج من كل ما اقترف العبد،
تائباً مما مضى، مستأنفاً لما يستقبل، مع ما فيه من اخراج الأموال، وتعب الأبدان،
والاشتغال عن الأهل والولد، وحظر النفس عن اللذات، شاخصاً في الحر والبرد، ثابتاً
على ذلك، دائماً مع الخضوع والاستكانة والتذلل، مع ما في ذلك من لجميع الخلق
من المنافع، لجميع من في شرق الأرض وغربها، ومن في البر والبحر ممن يحج وممن
لم يحج، من بين تاجر، وجالب، وبائع، ومشتر، وكاسب، ومسكين، ومكار، وفقير، وقضاء
حوائج أهل الأطراف في المواضع الممكن لهم الاجتماع فيه، مع ما فيه من التفقه،
ونقل أخبار الأئمة إلى كل صقع وناحية، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ
لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
وهكذا شاء الله أن يكون الحج محرابا للعبادة.. وموسما للتربية والتوجيه، ومجالا
للمنفعة وتحقيق المصالح الاجتماعية للإنسان.
* * *
* * *عند دخول الحرم يقول: اللّهُمَّ إنّكَ قُلتَ في كِتابِكَ
المُنزَّل وقولك الحقُّ ﴿وأذِنْ في النّاسِ بالحجِّ يأتوكَ رِجالاً
وعلى كُلِّ ضامرٍ يأتينَ من كُلِّ فجٍ عميقٍ﴾،
اللّهُمَّ
إِنِّي أرجو أن أكونَ ممّنْ أجابَ دعوتَكَ وقدْ جئتُ من شُقةٍ بعيدةٍ وفجٍّ عميقٍ
سامِعاً لنِدائِكَ ومستجيباً لكَ مُطيعاً لأمرِكَ، وكُلُّ ذلكَ بفضلِكَ عليَّ
وإحسانِكَ إليَّ، فلَكَ الحمدُ عَلَى ما وفقتني لهُ، ابتغي بِذَلكَ الزُّلفَةَ
عِندَكَ والقربَةَ إليك والمنـزلة لديكَ والمغفرةَ لذُنوبي والتّوبةَ عليَّ مِنها
بِمَنِّكَ..
اللّهُمَّ صلِّ عَلَى محمدٍ وآلِ محمدٍ وحرِّمْ بدَني
عَلَى النّارِ، وآمِنِّي من عذابِكَ وعِقابِكَ بِرحمَتِكَ يَا أرحمَ الرّاحمينَ.
ويستحب أن يقف مقابل باب السلام ويقول: السلام عليكَ
أيّها النّبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ، بِسمِ اللهِ وباللهِ ومِن اللهِ وما شاءَ
اللهُ والسلامُ عَلَى أنبياءِ اللهِ ورُسلهِ، والسلامُ عَلَى رسولِ اللهِ صلى الله عليه
واله وسلم,والسَّلامُ
عَلَى إبراهيمَ خليلِ اللهِ، والحمدُ للهِ ربِّ العالَمِين.
وفي رواية أخرى يقف عَلَى باب المسجد ويقول: بسمِ اللهِ
وباللهِ ومنَ اللهِ وإلى اللهِ وما شاءَ اللهُ وعلى مِلةِ رسولِ الله صلى الله عليه واله
وسلم،
وخيرُ الأسماء للهِ والحمدُ للهِ، والسَّلامُ عَلَى رسُولِ الله، السَّلامُ عَلَى
محمدِ بن عبد اللهِ، السَّلامُ عليكَ أيُّها النّبيُّ ورحمةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ
السَّلامُ عَلَى أنبياءِ اللهِ ورُسُلِهِ، السَّلامُ عَلَى إبراهيمَ خليلِ
الرَّحمنِ، السَّلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصَّالحينَ..
اللّهُمَّ صلِّ عَلَى محمدٍ وآلِ محمدٍ، وباركْ عَلَى
محمدٍ وآلِ محمدٍ، وارحمْ محمداً وآلَ محمدٍ، كما صلّيتَ وباركتَ وترحمتَ عَلَى
إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، اللّهُمَّ صلِّ عَلَى إبراهيمَ خليلكَ،
وعلى أنبيائِكَ ورُسُلكَ وسلِّمْ عليهِمْ وسلامٌ عَلَى المُرسلينَ، والحمدُ للهِ
ربِّ العالمينَ.
اللّهُمَّ افتحْ لي أبوابَ رحمَتِكَ واستعملني في
طاعتِكَ ومرضاتِكَ واحفظني بحفظِ الإيمانِ أبداً ما أبقيتني جلَّ ثناءَ وجهكَ،
الحمدُ للهِ الَّذِي جعلني من وفده وزُوارهِ، وجعلني ممّن يعمُرُ مساجِدَهُ،
وجعلني ممن يُناجيه.
اللّهُمَّ إِنِّي عبدُكَ وزائرُكَ في بيتِكَ وعلى
كُلِّ مأتيٍّ حقٌّ لمنْ أتاهُ وزارهُ، وأنتَ خيرُ مأتيٍّ وأكرمُ مزور، فأسألّكَ
يَا اللهُ يَا رحمانُ بأنّكَ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلاّ أنتَ وحدَكَ لا شريكَ لكَ،
وبأنّكَ واحدٌ أحدٌ صمدٌ لمْ تلدْ ولم تُولدْ ولمْ يكنْ لكَ كفوا أحدٌ، وأنّ
محمداً عبدُكَ ورسولُكَ صلواتُكَ عليهِ وعلى أهلِ بيتِهِ يَا جوادُ يَا كريمُ يَا
ماجدُ يَا جبَّارُ يَا كريمُ أسألُكَ أنْ تجعل تحفتَكَ إيَّايَ بزيارتي إيَّاكَ
أوّلَ شيءٍ تُعطيني فكاكَ رقبتي من النَّارِ.
ثم يقول ثلاثاً: اللّهُمَّ فٌكَّ رقبتي من النَّارِ.
ثم يقول: وأوسِعْ عليَّ من رِزقِكَ الحلالَ الطيّب، وأدرءْ
عنّي شرَّ شياطينِ الإنْسِ والجِنِّ وشرَّ فسقَةِ العَربِ والعَجَمِ، ثم يدخل
المسجد ويقول:( (بسمِ
اللهِ وباللهِ وعلى ملّةِ رسول الله (ص)).
ثم ترفع يديك إلى السماء متوجهاً إلى الكعبة وتقول: اللّهُمَّ
إِنِّي أسألُكَ في مقامي هذا، وفي أوّلِ مناسِكي أن تقبَلَ توبَتي، وأنْ تتجاوزَ
عنْ خطيئتي وتضَعَ عَنِّي وزْري الحمدُ للهِ الَّذِي بلَّغني بيتهُ الحَرامَ،
اللّهُمَّ إِنِّي أشهدُ أنَّ هذا بيتُكَ الحرامُ الَّذِي جعلتهُ مثابَةً للنَّاسِ
وأمناً مباركاً وهُدىً للعالَمينَ، اللّهُمَّ إِنِّي عبدُكَ والبلدُ بلدُكَ
والبيتُ بيتُكَ جِئتُ أطلُبُ رحمَتَكَ وأؤمُ طاعتَكَ مُطيعاً لأمرِكَ راضياً
بقَدَرِكَ، أسألُكَ مسألةَ المُضطرِّ إليكَ الخائِفِ لعُقوبَتِكَ، اللّهُمَّ افتحْ
لي أبوابَ رحمَتِكَ واستعملني بطاعتِكَ ومرضاتِكَ.
ثم تنظر إلى الكعبة وتقول: الحمدُ للهِ الَّذِي عظَمَكِ وشرَّفَكِ
وكَرَّمَكِ وجعلكِ مثابةً للنَّاسِ وأمناً مُبارَكاً وهُدىً للعَالَمينَ.
ثم تذهب إلى الحجر الأسود وتستلمه وتقول: الحمدُ للهِ
الَّذِي هدانا لِهذا وما كُنّا لنهتديَ لولا أنْ هدَانا اللهُ، سُبْحَانَ اللهِ
والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلاّ اللهُ واللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ من خلقِهِ،
واللهُ أكْبَرُ مما أخشى وأحذرُ، لا إلهَ إلاّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ
الملكُ ولهُ الحمدُ يُحيي ويُميتُ ويُميتُ ويُحيي وهوَ حيٌّ لا يموتُ، بيدِهِ
الخيرُ وهوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قديرٌ.
اللّهُمَّ صلِّ عَلَى محمدٍ وآلِ محمدٍ وباركْ عَلَى
محمدٍ وآلِ محمدٍ كأفضل ما صلّيتَ وبارَكتَ وترحّمتَ عَلَى إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ
إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، وسلامٌ عَلَى جميعِ النَّبيينَ والمُرسَلينَ والحمدُ للهِ ربِّ
العالَمينَ، اللّهُمَّ إِنِّي أؤمِنُ بوعدِكَ، وأُصدِّقُ رُسُلَكَ وأتّبعُ
كِتابَكَ.
وفي رواية صحيحة عن أبي عبد الله عليه السلام: إذا دنوت من الحجر الأسود فارفع يديك واحمد الله
واثن عليه وصلى عَلَى النبي صلىالله عليه واله وسلم :واسأل الله أن يتقبل منك ثم
استلم الحجر وقبله، فإن لم تستطع أن تقبله فاستلمه بيدك فإن لم تستطع أن تستلمه
بيدك فأشر إليه وقل:
اللّهُمَّ أمانتي أدّيتُها وميثاقي تعاهدتُهُ لتشهدَ
لي بالموافاة، اللّهُمَّ تصديقاً بكتابِكَ وعلى سُنّةِ نبيِّكَ (صلواتُكَ عليهِ
وآلهِ) أشهدُ أنْ لا إله إلاّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأنَّ محمداً عبدُهُ
الطّاغوتِ واللاتِ والعُزّى وعبادةِ الشيطانِ وعبادَةِ كُلِّ نِدٍّ يُدعَى من دونِ
اللهِ.
فإن لم تستطع أن تقول هذا كله فبعضه، وقل:
اللّهُمَّ إليكَ بسطتُ يدي، وفيمَا عندَكَ عظمتْ
رغبَتي، فاقبَلْ سبحَتي، واغفِرْ لي وارحمني، اللّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بِكَ من الكُفرِ
والفقر ومواقف الخزي في الدُّنيا والآخِرةِ.
* * *من آداب إحرام الحج ً، وأفضل الإحرام أن يكون بعد
صلاة الظهر أو صلاة العصر أو فريضة مقضيّة أو صلاة نافلة أقلها، ركعتان، والأفضل
إيقاعه في المسجد الحرام، والأفضل أن يكون في حجر إسماعيل أو مقام إبراهيم ويُستحب
التلفظ بالنية، وتأتي بالتلبيات التي سبق ذكرها في العمرة، إلاّ أنه عوض قولك: (اللّهُمَّ
إِنِّي أُريدُ التّمتّعَ بالعُمرَةِ) تقول: (اللّهُمَّ إِنِّي أُريدُ الحَجَّ) فإذا أحرمت
للحج وخرجت من مكة تلبي في طريقك غير رافع صوتك، حتى إذا أشرفت عَلَى الأبطح رفعت
صوتك، وإذا توجهت إلى منى تقول:
(اللّهُمَّ إيّاكَ أرجو وإيَّاكَ أدعُو فبلّغني أملِي
وأصلِحْ لي عمَلي).
ثم تذهب إلى منى بسكينة ووقار، مشتغلاً بذكر الله
سبحانه، فإذا وصلت إليها تقول:
الحَمدُ للهِ الّذي أقدَمَنيها صالِحاً في عافيةٍ
وبلِّغني هذا المكانَ. ثم تقول: اللّهُمَّ هذهِ مِنَى وهي مِمَّا مَننْتَ بهِ
عليَّ مِنَ المَناسِكِ فأسألُكَ أنْ تَمُنَّ عليَّ بِمَا مَننْتَ بهِ عَلَى
أنبيَائِكَ فإنَّما أنَا عبدْكَ وفِي قبضَتِكَ.
ويستحب لك المبيت في منى ليلة عرفة تقضيها في
طاعة الله تبارك وتعالى، والأفضل أن تكون عبادتك ولا سيما صلواتك في مسجد الخيف،
ولتكن صلاتك فيه عند المنارة التي في وسط المسجد وعلى بعد ثلاثين ذراعاً من جميع
جوانبها، فذلك مسجد النبي صل( الله عليه واله وسلم, ومصلى الأنبياء الَّذِي صلوا فيه قبله ـ عليهم
السَّلام ـ فإذا صلّيت الفجر عقِّب إلى طلوع الشمس، ثم تذهب إلى عرفات.
* * *
الأدعية المأثورة حال الوقوف بعرفة كثيرة ونكتفي بذكر
بعض هذه الأدعية، فتقول:
اللّهُمَّ إِنِّي عبدُكَ فلاَ تجعلْنِي من أخيب
وفدِكَ وارحمْ مَسيري إليكَ منَ الفجِّ العميق. اللّهُمَّ ربَّ المشَاعِرِ كُلِّها
فُكَّ رقبَتي منَ النّارِ وأوسِعْ عليَّ من رزقِكَ الحَلالِ، وأدرأْ عنِّي شرَّ
فسَقةِ الجِنِّ والإنْسِ، اللّهُمَّ لا تمكُرْ بي ولاَ تخدعْني ولاَ تستَدْرجْني.
اللّهُمَّ إِنِّي أسألُكَ بحوْلِكَ وجودِكَ وكرَمِكَ ومَنِّكَ وفضْلِكَ يَا أسمَعَ
السَّامعينَ يَا أبصَرَ النَّاظِرينَ يَا أسرعَ الحَاسِبينَ يَا أرحمَ
الرَّاحِمِينَ أنْ تُصلِّي عَلَى محمدٍ وآلِ محمدٍ وأنْ ترزُقْني خيرَ الدُّنيا
والآخِرةِ.
وارفع يديك إلى السماء واطلب من الله حوائجك، وقل: اللّهُمَّ
حاجَتي إليْكَ الَّتي إنْ أعطَيتَنيها لمْ يضُرَّني ما منعتَ وإنْ منعْتَنيها لم
ينفَعْني ما أعطَيتَ، أسألُكَ خَلاصَ رقبَتي منَ النَّارِ، اللّهُمَّ إِنِّي
عبدُكَ ومِلكُ يَدْكَ، ناصِيتِي بيدَكَ وأجَلي بعِلْمِكَ أسألُكَ أنْ تُوفقْنِي
لِمَا يُرضِيكَ عَنِّي، وأنْ تُسلِّمَ منِّي مناسِكي الّتي أريتَها خلِيلَكَ
إبرَاهيمَ (صَلواتُ اللهِ عليهِ) ودللتَ عليها نبيَّكَ مُحمداً (ص). اللّهُمَّ
اجعلْني ممَّنْ رضيتَ عمَلَهُ، وأطلْتَ عُمرَهُ وأحييْتَهُ بعدَ الموتِ حياةً
طيِّبةً. ثم قال: ﴿لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ لَهُ المُلكُ ولَهُ
الحَمدُ يُحيي ويُميتُ ويُميتُ ويُحيي وهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ بيَدِهِ الخَيرُ
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قدِيرٌ﴾.
اللّهُمَّ لَكَ الحَمدُ كَالَّذي تقُولُ وخيراً
مِمَّا نقُولُ وفَوقَ مَا يقُولُ القائِلونَ. اللّهُمَّ لَكَ صَلاتِي ونُسُكِي
ومحيَاي وممَاتِي ولَكَ تُراثِي وَبِكَ حولِي ومِنْكَ قُوتِي، اللّهُمَّ إِنِّي
أعوذُ بِكَ مِنَ الفَقرِ، ومِنْ وساوِسِ الصُّدُورِ، ومِنْ شَتَاتِ الأمرِ، ومِنْ
عذَابِ القَبرِ، اللّهُمَّ إِنِّي أسْأَلُكَ خيْرَ ما تأتي بهِ الرِّياحُ، وأعوذُ
بِكَ مِنْ شرِّ ما تَجيءُ بِهِ الرِّيَاحُ، وأسْألُكَ خيرَ اللَّيلِ وخيرَ
النَّهارِ، اللّهُمَّ اجعلْ في قَلبي نوراً وَفي سَمعِي نوراً وفي بَصَري نُوراً،
وفي لَحمي ودَمي وعِظامي وعُرُوقِي ومقعَدي ومقَامي ومدْكَلي ومخرَجي نُوراً،
وأعظِمْ لِي نُوراً يَا رَبَّ يومَ ألقَاكَ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدْيرٌ.
وأكثر من الصدقة هذا اليوم وتوجه إلى القبلة وقل مئة
مرّة: سُبْحَانَ
اللهِ وَاللهُ أكْبَرُ وَمَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إلاَّ باللهَ، أشْهدُ أنْ
لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لاَ شَريكَ لهُ لَهُ المُلكُ ولَهُ الحَمدُ يُحْيِي
ويُميتُ وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَموتُ بيَدِهِ الخيرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ.
ثم تقرأ عشر آيات من أوّل سورة البقرة ثم تقرأ ﴿قُلْ
هُوَ اللهُ أحد﴾ ثلاث مرات وتقرأ آية الكرسي، ثم تقرأ آية السخرة
وهي:
﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى
الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَكَرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ
تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
ثم تقرأ ﴿قُلْ أعوذُ بربِّ الفَلَقِ﴾ و
﴿قلْ أعوذُ بربِّ النَّاسِ﴾ ثم تحمد الله عز وجل عَلَى كل نعمة
أنعمها عليك وتذكر أنعمه واحدة واحدة ما أحصيت منها وتحمده عَلَى ما أنعم عليك من
أهل أو مال وتحمده عَلَى ما أبلاك وتقول:
اللّهُمَّ لَكَ الحَمدُ عَلَى نعْمَائِكَ الّتي لاَ
تُحصى بِعدَدِ ولاَ تُكافأُ بعَمَلٍ.
وتحمده بكل آية ذكر فيها الحمد لنفسه في القرآن
وتسبحه بكل تسبيح ذكر به نفسه في القرآن، وتكبره بكل تكبير كبر به نفسه في القرآن،
وتهلله بكل تهليل هلل به نفسه في القرآن، وتصلي عَلَى محمد وآل محمد وتكثر منه
وتجتهد فيه، وتدعو الله عز وجل بكل إسم سمّى به نفسه في القرآن، وبكل إسم تحسنه
وتدعوه بأسمائه التي في آخر سورة الحشر.
وتقرأ هذا الدعاء: أسأَلُكَ يَا اللهُ يَا رَحمانُ
بِكُلِّ اسمٍ هو لَكَ، وأسألُكَ بقوتِكَ وقُدرتِكَ وعزَّتِكَ، وبجميعِ ما أحاطَ
بهِ عِلمُكَ، وبجمعكَ وبأركانِكَ كُلِّها، وبِحَقِّ رسولِكَ صلَواتُكَ علَيهِ
وآلهِ، وباسمِكَ الأكبَرُ الأكَبرُ وباسمكَ العظِيمِ الّذي مَنْ دَعاكَ بهِ كانَ
حقّاً عليكَ أنْ تُجيبَهُ، وبِاسمكَ الأعظَم الأعظَم الّذي مَنْ دعَاكَ بهِ كانَ
حقّاً علَيكَ أنْ لا تَرُدَهُ وأنْ تعْطيهِ ما سألَكَ أن تغفِرَ لِي جَميعَ ذُنوبي
في جَميعِ علمِكَ فيَّ.
واطلب من الله حوائجك كلها، وأن يوفقك للحج في
القابل، وتخير لنفسك من الدعاء ما أحببت، واجتهد فإنه يوم دعاء ومسألة، وتعوذ
بالله من الشيطان فإن الشيطان لن يذهلك في موضع أحب إليه من أن يذهلك في ذلك
الموضع، وإيّاك أن تشتغل بالنظر إلى الناس.
وقل سبعين مرّة: أسأَلُكَ الجَنّةَ. وسبعين مرّة:
أستَغْفِرُ الله
رَبِّي وأتُوبُ إليهِ.
وأقرأ الدعاء الَّذِي علمه جبرئيل (ع) آدم (ع) لقبول توبته،
وهو:
سُبْحَانَكَ اللّهُمَّ وبِحَمدِكَ لاَ إلهَ إلاَّ
أَنْتَ عَمِلتُ سُوءاً وظَلمتُ نَفْسِي واعتَرفتُ بِذَنبي فاغْفِرْ لِي إنَّكَ
أَنْتَ خَيْرُ الغافِرينَ، سُبْحانَكَ اللّهُمَّ وبِحَمدِكَ لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ
عَمِلتُ سُوءاً وظَلَمتُ نَفسِي فاعتَرَفتُ بِذَنبي فاغْفِرْ لِي إنَّكَ أَنْتَ
التًَّوّابُ الرَّحيمُ.
وعند غروب الشمس إقرأ هذا الدعاء: اللّهُمَّ
إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الفقْرِ ومِنْ تَشَتُّتِ الأمرِ، ومِنْ شرِّ ما يَحدثُ
باللّيلِ والنَّهارِ أمسَى ظُلمي مُستَجيراً بعَفوِكَ، وأمسَى خَوفِي مُستَجيراً
بأمَانِكَ، وأمسَى ذُلِّي مُستَجِيراً بِعِزَّتِكَ، وأمسَى وجهيَ مُستَجِيراً
بِوَجهِكَ البَاقِي، يَا خَيرَ مَنْ سُئِلَ ويا أجوَدَ مَنْ أعطَى، يَا أرحَمَ
مَنِ استُرْحِمَ جَلِّلْنِي بِرَحْمَتِكَ وألْبِسْنِي عَافِيَتِكَ وأصًرِفْ عَنِّي
شَرِّ جَمِيعِ خَلْقِكَ.
وتدعو لنفسك ولوالديك ولأخوانك المؤمنين وأقلهم
لأربعين نفر من المؤمنين:
وعن أبي عبد الله (ع) قال إذا غربت الشمس يوم عرفة تقول:
اللّهُمَّ لاَ تَجْعَلهُ آخِرَ العَهْدِ مِنْ هَذا
المَوقِفِ وارزُقْنِيهِ مِنْ قَابِلٍ أبَداً مَا أبقَيتَنِي، واقْلبني اليَومَ
مُفلِحاً مُنْجحاً مُستَجَاباً لِي مَرْحُوماً مَغْفُوراً لِي بِأفضَلِ ما ينقَلبُ
بِهِ اليَومَ أحَدٌ مِنْ وَفدِكَ وحُجَّاجِ بَيْتِكَ الحَرَامِ واجْعَلنِي اليَومَ
مِنْ أكرَمِ وَفدِكَ علَيكَ، وأعطِنِي أفضَلَ ما أعطَيتَ أحداُ مِنْهُمْ مِنَ
الخَيرِ وَالبَرَكَةِ والرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ والمَغفِرَةِ، وَبَارِكْ لِي
فِيمَا أرْجِعْ إلَيْهِ مِنْ أَهْلٍ أو مَالٍ أو قَلِيلٍ أو كَثِيرٍ، وَبَارِكْ
لَهُمْ فِيَّ.
وكر من قولك: اللّهُمَّ أعْتِقنِي مِنَ النَّارِِ.
* * *
الإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس بسكينة ووقار
مشتغلاً بالدعاء والإستغفار فإذا انتهى إلى الكثيب الأحمر عن يمين الطريق فإنه
يُستحب قراءة هذا الدعاء: اللّهُمَّ ارْحَمْ مَوْقِفِي، وَزِدْ فِي عَمَلِي،
وَسَلِّمْ لِي دِينِي وَتَقَبَّلْ مَنَاسٍكِي. ثم اقرأ هذا الدعاء: اللّهُمَّ لا
تَجْعَلهُ آخِرَ العَهدِ مِن هَذا المَوقِفِ وارزُقنِيهِ أبَداً مَا أبقَيتَني. وأكثر حال
السير كلمة: اللّهُمَّ
أعْتِقْ رَقَبَتِي مِن النَّارِ.
ثم اقرأ هذا الدعاء: اللّهُمَّ هَذِهِ جُمعٌ اللّهُمَّ إِنِّي
أسألُكَ أَنْ تَجْمَعَ لِي فِيها جَوَامِعَ الخَيْرِ، اللّهُمَّ لاَ تُؤُيسْنِي
مِنَ الخَيرِ الَّذي سَأَلَكَ أنْ تَجْمَعَهُ لِي في قَلْبِي، ثُمَّ أطْلُبُ
مِنْكَ أنْ تُعَرِّفَنِي مَا عَرَّفْتَ أَولِيَاءَكَ فِي مَنْزِلِي هَذا وَأَنْ
تَقِيَني جَوَامِعَ الشَّرِ.
ويُستحب تأخير العشاء إلى المزدلفة بينهما بأذان
وإقامتين والتقاط حصى الجمار من المزدلفة وعددها سبعون، فإن أمكنك فالأفضل أن تحيي
ليلتك بالعبادة والدعاء بالمأثورة وغيرها، ومن المأثورة قراءة هذا الدعاء:
اللّهُمَّ رَبَّ المَشْعَرِ الحَرَامِ فُكَّ رَقَبَتي
مِنَ النَّارِ وَأوْسِعْ عَلَيَّ من رزقكَ الحَلالِ الطَّيِّبِ وَادْرَأ عَنِّي
شَرَّ فَسَقةِ الجِنِّ والإنْسِ، اللّهُمَّ أَنْتَ خَيرُ مَطلُوبٍ إلَيهِ وخَيرُ
مَدعُوٍّ وخَيرُ مَسؤولٍ، وَلِكُلِّ وافِدٍ جَائِزَةٌ، فاجْعَلْ جَائزَتِي فِي
مَوضِعي هَذا أَنْ تُقيْلَني عَثرَتِي وتَقْبَلَ مَعْذِرَتِي، وأنْ تَتَجَاوَزَ
عَن خَطِيئَتِي ثُمَّ اجْعَلْ التَّقوَى مِنَ الدُّنيا زَادي، وتَقْلِبَني
مُفلِحاً مُنجِحاً مُستَجَاباً لِي بِأفضَلِ مَا يَرْجِعُ بِهِ أحَدٌ مِنْ وَفدِكَ
وزُوَّارِ بَيتِكَ الحَرَامِ.
وإذا طلعت الشمس فاعترف لله تعالى بذنوبك سبع مرّات
واسأل التوبة سبع مرّات واذكر الله تعالى عند الإفاضة، أي عندما تتوجه من المشعر
إلى منى، والسعي في وادي محسر ـ أي السير السريع ـ وقدر السعي مئة خطوة، واقرأ هذا
الدعاء:
اللّهُمَّ سَلِّمْ عَهدي، واقبَلْ تَوْبَتِي وَأَجِبْ
دَعوَتِي، واخْلُفني فِيمنْ تَرَكْتُ بَعدِي.
ثم قلْ: رَبّ اغفِرْ وَارْحَمْ، وتَجَاوَزْ عَمَّا تَعلَمْ
إنَّكَ أَنْتَ الأعَزُّ الأكْرَمُ.
* * *
وهي أمور:
1 ـ أن يكون الرامي راجلاً لا راكباً.
2 ـ المشي بسكينة ووقار إلى الجمرة.
3 ـ أن يكون الرامي عَلَى طهارة حال الرمي.
4 ـ أن يستدبر القبلة ويستقبل الجمرة الأولى، بخلاف
الجمرتين الباقيتين، فإنه يرميها مستقبلاً القبلة الشريفة.
5 ـ أن يكون بينه وبين الجمرة عشر خطوات أو خمس عشر
خطوة.
6 ـ أن تكون الحصيات في يده اليسرى ويرمي باليد
اليمنى.
7 ـ أن يقول عند الرمي: اللّهُمَّ إنَّ هَذِهِ حَصَيَاتِي
فَأَحصِهِنَّ لِي وَارْفَعهُنَّ فِي عَمَلِي.
8 ـ أن يرميها (خذفاً) ـ إن أمكن ـ وهو وضع الحصى
عَلَى الإبهام ودفعها بظفر السبّابة.
9 ـ أن يقول عند كل حصى يرميها:
اللهُ أكْبَرُ، اللّهُمَّ ادْحَر عَنِّي الشَّيطَانَ
وجُنُودَهُ، اللّهُمَّ تَصدِيقاً بِكِتَابِكَ وَعَلَى سُنَّةِ نَبيِّكَ اللّهُمَّ
اجعَلْهُ لِي حَجَّاً مَبرُوراً وعَمَلاً مَقْبُولاً وَسَعيَاً مَشْكُوراً وذَنباً
مغفُوراً. ويجوز أن يقتصر الرامي عَلَى التكبير فقط.
10 ـ إذا أكمل الرامي ورجع إلى منزله في منى يقول: اللّهُمَّ بِكَ
وَثِقتُ وَعَلَيكَ تَوكَّلتُ فَنِعمَ الرَّبٌّ ونِعمَ المولَى ونِعْمَ النَّصيرُ.
* * *وهي أمور:
1 ـ أن يكون بدنة، ومع العجز فبقرة ومع العجز عنها
فكبشاً أسود، ثم أملح أقرن ـ أي ذو قرن ـ عظيم الـهيبة.
2 ـ إحضاره يوم عرفة بمنى، بمعنى أن يشتريه يوم عرفة
ثم يأتي به إلى منى ليذبحه.
3 ـ أن تُنحر الإبل وهي قائمة، وقد رُبطت يداها بين
الخف والركبة، ويطعنها قائماً من الجانب الأيمن.
4 ـ أن يكون الـهدي سميناً.
5 ـ أن يتولى النّاسك الذبح أو النحر بنفسه فإن لم
يقدر الذبح أو النحر فليضع السكين بيده ويقبض الذّابح عَلَى يده، ولا بأس بأن يضع
يده عَلَى يد الذابح.
6 ـ أن يقول عند الذبح أو النحر: وَجَّهتُ
وَجهِيَ لِلَّذي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ والأرضَ حَنِيفاً مُسلِماً ومَا أنا مِنَ
المُشرِكِينَ، إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحيَايَ ومَمَاتي للهِ ربِّ العَالمينَ لاَ
شَريكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرتُ وأنَا مِنَ المُسلِمينَ اللّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ،
بِسمِ الله وَباللهِ واللهُ أكْبَرُ اللّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَ
مِنْ إبرَاهيمَ خَلِيلكَ وَمُوسَى كَلِيمِكَ ومُحَمَّدٍ حَبيبِكَ (صَلّى اللهُ
عليهِ وألهِ وعلَيهم).
* * *
وهي أمور يأتي بها رجاء:
1 ـ إستقبال القبلة.
2 ـ التسمية.
3 ـ أن يبتدأ في الحلق من قرنه الأيمن وينتهي به إلى
مقابل وتد الأذنين.
4 ـ أن يقرأ عند الحلق: اللّهُمَّ اعطِني بِكُلِّ شَعَرَةٍ
نُوراً يَومَ القِيَامَةِ. والأولى أن يزيد قوله: وَحَسَنَاتٍ مُضَاعفاتٍ،
وَكَفِّرْ عَنِّي السَّيِّئَاتِ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، اللّهُمَّ
صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ.
5 ـ أن يدفن شعره في منى.
6 ـ أن يأخذ من لحيته وشاربه ويُقلم أظافيره بعد
الحلق.
آداب العود إلى مكة
لاتيان الأعمال الخمسة
وهي طواف الحج وصلاته، والسعي بين الصفا والمروة،
وطواف النساء وركعتاه. وهي أمور:
1 ـ الغسل في منى لدخول مكة المكرمة.
2 ـ تقليم الأظافر والأخذ من الشارب.
3 ـ ذكر الله تعالى والصلاة عَلَى النبي عند توجهه
إلى المسجد الشريف.
4 ـ الوقوف عَلَى باب المسجد الشريف وقراءة هذا
الدعاء: اللّهُمَّ
أعِنِّي عَلَى نُسُكِيَ وَسَلِّمنِي لَهُ وَسَلِّمْهُ لِي، اللّهُمَّ إِنِّي
أَسأَلُكَ مَسألَةَ العَلِليْلِ الذّليلِ المُعتَرِف بِذَنبِهِ أنْ تَغفِرَ لِي
ذُنُوبِي وأنْ تُرجِعَني بِحَاجَتي، اللّهُمَّ إِنِّي عَبدُكَ والبَلدُ بَلدُكَ
والبَيتُ بَيتُكَ، جئتُ أطلُبُ رَحمَتَكَ وأؤُمُّ طَاعَتِكَ مُتّبِعاً لأمركَ
رَاضياً بِقَدَرِكَ أسألُكَ مَسألَةَ الفَقيرِ المُضطَرِّ إليَكَ المَطِيعِ لأَمرِكَ
المُشفِقِ مِنْ عَذَابِكَ الخَائِفِ لِعُقوبِتَكَ أنْ تُبَلِّغَني عَفوَكَ
وتُجيرَنِي مِنَ النَّارِ بِرَحمَتِكَ.
5 ـ ما ذكرناه من الآداب في طواف العمرة وصلاته
والسعي فيها يجري في طواف الزيارة والسعي وطواف النساء.
6 ـ يستحب بعد الفراغ من أعمال منى الرجوع يوم العيد
إلى مكة للأعمال المذكورة.
آداب رمي الجمار
الثلاثة بعد الرجوع إلى منى
وهي أمور:
1 ـ الوقوف عند كل جمرة داعياً بالمأثور فيقول ما
قاله يوم رمي جمرة العقبة.
2 ـ رميها عن يسارها مستقبل القبلة عدا جمرة العقبة
فإنه يستدبر القبلة كما عرفت سابقاً، ويرميها عن يمينها ولا يقف عندها.
3 ـ ويجري فيها من الآداب ما يجري في رمي جمرة العقبة
عَلَى ما تقدم
* * *
يستحب الخروج إلى (الصفا) من الباب الَّذِي خرج منه
رسول اللهصلى الله عليه واله وسلم، وهو الباب الَّذِي يقابل الحجر الأسود، ويُسمّى
الآن بـ(باب الصفا) مع السكينة والوقار فيصعد عَلَى (الصفا) حتى ينظر إلى البيت ويتوجه
إلى الركن الَّذِي فيه الحجر الأسود ويستحب إطالة الوقوف عَلَى جبل الصفا، وقراءة
سورة البقرة ,وعن أبي عبد الله عليه السلام : من أراد أن يكثر ماله فليطل
الوقوف عَلَى الصفا والمروة، وأن يتذكر نعم الله عليه، ويذكر من آلائه وبلائه وحسن
صنيعه إليه ما يتمكن عَلَى ذكره.
ويقول سبعاً: اللهُ أكْبَرُ. وهو متوجه
إلى الكعبة. وسبعاً: الحَمْدُ للهِ. وسبعاً: لاَ إلهَ إلاَ اللهُ. وثلاثاً هذا
الدعاء.
لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ لهُ
المُلكُ ولهُ الحمدُ، يُحيي ويُميتُ وهوَ حيٌّ لا يموتُ، وهوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ
قديرٌ. اللّهُمَّ صلِّ عَلَى محمدٍ وآلِ محمدٍ.
ويقرأ هذا الدعاء ثلاث مرات: اللهُ أكبَرُ
عَلَى ما هدَانا، والحمْدُ للهِ عَلَى ما أولانَا والحمدُ للهِ الحيِّ القيُّومِ،
والحمدُ للهِ الحَيِّ الدّائمِ.
ويقول ثلاثاً: أشهدُ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ،
وأشهَدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسُولُهُ، ولا نعبُدُ إلاَّ إيَّاهُ مُخلصينَ لهُ
الدِّينَ ولوْ كَرِهَ المُشركونَ.
ويقرأ ثلاثاً: اللّهُمَّ إِنِّي أسألُكَ العفوَ
والعافيةَ، واليقينَ في الدُّنيا والآخِرَةِ,
وثلاثاً: اللّهُمَّ آتِنا في الدُّنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ
حسنَةً وقِنا عذابَ النَّارِ.
ومئة مرّة: اللهُ أكْبَرُ. ومئة مرة: لاَ إلهَ إلاَّ
اللهُ. ومئة مرة: الحَمْدُ
للهِ. ومئة مرة: سُبْحانِ
اللهِ.
ثم يقرأ: لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ وحدَهُ أنجزَ وعدَهُ
ونصرَ عبدَهُ وغلبَ الأحزابَ وحدَهُ، فلَهُ المُلكَ ولَهُ الحمدُ وحدَهُ وحدَهُ
اللّهُمَّ بارِكْ لي في المَوتِ وفيمَا بعدَ الموتِ اللّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بِكَ
من ظُلمَةِ القبْرِ ووحشتِهِ اللّهُمَّ أظلّني في ظلِّ عَرشِكَ يومَ لا ظلَّ إلاّ
ظلُكَ.
وكرر هذا الدعاء فإن فيه استيداع دينك ونفسك إليه
تعالى: (أستودعُ
اللهَ الرّحمن الرّحيمِ الّذي لا تضيعُ ودائعُهُ ديني ونفسي وأهلي، اللّهُمَّ
استعملني عَلَى كِتابكَ وسُنّةَ نبيِّكَ وتوفّني عَلَى ملّتِهِ وأعذني من
الفتنَةِ). ثم يقول ثلاثاً: اللهُ أكْبَرُ.
ثم يعيد دعاء الإستيداع مرّتين ثم يقول: اللهُ أكْبَرُ. ثم يدعو
بالدعاء السَّابق (وهو داء الإستيداع) مرّة، فإن لم يستطع هذا فبعضه ويستحب أن
يستقبل الكعبة ويرفع يديه ويقول: اللّهُمَّ اغفِرْ لي كُلَّ ذنبٍ أذنبتُهُ قَط فإنْ
عُدتُ فعُدْ عليَّ بالمَغفِرةِ، فإنَّكَ أنتَ الغفُورُ الرّحيمُ، اللّهُمَّ افعَلْ
بي ما أنتَ أهلُهُ فإنَّكَ إنْ تفعَلْ بي ما أنتَ أهلُهُ ترْحمني، وإنْ تُعذّبنِي
فأنتَ غنيٌّ عن عذابِي وأنا محتاجٌ إلى رحمَتَكَ، فيا مَنْ أنا محتاجٌ إلى رحمتِهِ
ارحمني.
اللّهُمَّ لا تفعل بي ما أنتَ أهلُهُ، فإنَّكَ إنْ
أصبَحتُ أتَّقي عدَلكَ ولا أخافُ جورَكَ. فيا مَنْ هوَ عدْلٌ لا يجورُ ارحمني.
ثم تقول: يَا مَنْ لا يخِيبُ سائِلُهُ ولا ينفذُ نائلُهُ صلِّ
عَلَى محمدٍ وآلِ محمدٍ، وأعذني مِنَ النَّارِ بِرحمَتِكَ.
ادع لنفسك ما أحببت، وليكن وقوفك عَلَى (الصفا) أوّل
مرة أطول من غيرها، ثم انحدر قليلاً وقف واقرأ هذا الدعاء متوجهاً إلى الكعبة:
اللّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بِكَ مِنْ عذَابِ القبرِ
وفتنَتِهِ وغُربتِهِ ووحشَتِهِ وظُلمَتهِ وضيقهِ وضنكهِ، اللّهُمَّ أظلَّني في
ظلِّ عرشِكَ يومَ لا ظِلَّ إلاَّ ظِلُكَ.
ثم انحدر وانت كاشف عن ظهرك واقرأ هذا الدعاء في حال
الـهبوط من الصفا:
يَا ربّ العَفوَ، يَا مَنْ أمرَ بالعفوِ، ويا مَنْ
هوَ أولى بالعفو، يَا مَنْ يُثيبُ عَلَى العفوِ العفوَ العفوَ العفوَ، يَا جوادٌ
يَا كريمٌ يَا قريبٌ يَا بعيدٌ أزدُدْ عليِّ نِعمَتكَ واستعمِلني بطاعتِكَ
ومرضاتِكَ.
ثم تسعى وعليك السكينة والوقار حتى تصل إلى محل
الـهرولة فتهرول، ولا هرولة عَلَى النساء، ويُستحب قراءة هذا الدعاء في موضع
الـهرولة:
بِسمِ اللهِ واللهُ أكْبَرُ، وصلى اللهُ عَلَى محمدٍ
وأهل بيتِهِ، اللّهُمَّ اغفرْ وارحمْ وتجاوزْ عمّا تعلمْ، إنِّكَ أنتَ الاعزُّ
الأكرَمُ، واهدِنِي للّتي هي أقومُ، اللّهُمَّ إنَّ عملي ضعيفٌ فضاعفْهُ لي وتقبلْ
منِّي، اللّهُمَّ لكَ سعيي، وبِكَ حولِي وقُوتي، تقبََّلْ عمَلِي يَا مَنْ يقبلُ
عمَلَ المُتَّقينَ.
فإذا تجاوزت محل الـهرولة فتقطع الـهرولة وتسعى عَلَى
سكينة ووقار وتقرأ هذا الدعاء:
يَا ذا المنّ والفضلِ والكَرمِ والنَعماءِ والجُودِ
اغْفِرْ لي ذُنوبي إنَّهُ لا يغفِرُ الذُنوبَ إلاَّ أنتَ.
حتى إذا أتيت المروة فاصعد عليها واصنع عليها كما
صنعت عَلَى الصفا، واسأل الله تبارك وتعالى حوائجك وتقول في دعائك:
يَا مَنْ أمرَ بالعفوِ، يَا مَنْ يجزي عَلَى العفوِ،
يَا مَنْ دلَّ عَلَى العفوِ، يَا مَنْ زيَّنَ العفوَ، يَا مَنْ يُثيبُ عَلَى
العَفوِ، يَا مَنْ يُحبُ العفوَ، يَا مَنْ يُعطي عَلَى العَفوِ، يَا مَنْ يعفُو
عَلَى العفوَ، يَا ربَّ العفوِ، العفوَ العفوَ العفوَ.
وتضرّع إلى الله تعالى وابكِ فإن لم تقدر عَلَى
البكاء فتباكى، واجهد أن تخرج من عينيك الدموع، واجتهد في الدعاء، وترجع من المروة
إلى الصفا عَلَى هذا النهج وتقرأ هذا الدعاء حال السعي، فإنه خير دعاء:
اللّهُمَّ إِنِّي أسألُكَ حُسنَ الظَّنِ بكَ عَلَى
كُلِّ حالٍ، وصِدقَ النِّيةِ في التّوكُلِ عليكَ.
* * *
وعن أبي عبد
الله عليه الاسلام قال: إذا فرغت من سعيك وأنت متمتع فقصّر من شعرك من جوانبه، ولحيتك وخذ من
شاربك وقلم أظافرك، وابق منها لحجّك وإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شيء يحل منه
المحرم وأحرمت منه0
ويستحب الجمع بين أخذ الشعر من الرأس واللحية والشارب
وقص الأظافرمن السعي بنيّة القربة إلى الله تعالى ولفظ
النية أن يقول :((أقصُر للإحلال من إحرام عمرة التمتع لحجّ الإسلام الواحب
إمتثالاً لأمر
الله تعالى))0
وبه يحصل الإحلال عماّ حرم على
المحرم بالإحرام, عدا الحلق على احتياط حيث
ينبغي توفير الشعر للحجّ
* * *الليلة التاسعة: من ذي الحجة ليلة مباركة، وهي ليلة
مناجاة قاضي الحاجات والتوبة فيها مقبولة، والدعاء فيها مستجاباً وللعامل فيها
بطاعة الله أجر سبعين ومئة سنة وفيها عدّة أعمال..
منها: أن يدعو بهذا الدعاء، الذي روي أن من دعا به
ليلة عرفة أو ليالي الجمع غفر الله له.
اللّهُمَّ يَا شاهِدَ كُلِّ نَجْوى وَمَوْضِعَ
كُلِّ شَكْوى وَعالِمَ كُلِّ كَفِيَّةٍ وَمُنْتهى كُلِّ حاجَةٍ يَا مُبْتَدِئا
بِالنِّعَمِ عَلَى العِبادِ يَا كَرِيمَ العَفْوِ يَا حَسَنَ التَّجاوُزِ يَا
جَوادُ يَا مَنْ لا يُواري مِنْهُ لَيْلٌ داجٍ وَلا بَحْرٌ عَجَّاجٌ وَلا سَماءٌ
ذاتُ ابْراجٍ وَلا ظُلَمٌ ذاتُ ارْتِتاجٍ يَا مَنْ الظُّلْمَةُ عِنْدَهُ ضِياءٌ؛
أَسأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الكَرِيمِ الَّذِي تَجَلَّيْتَ بِهِ لِلْجَبَلِ
فَجَعَلْتَهُ دَكّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقا وَبِاسْمِكَ الَّذِي رَفَعْتَ بِهِ
السَّماواتِ بِلا عَمَدٍ وَسَطَحْتَ بِهِ الأّرْضَ عَلَى وَجْهِ ماءٍ جَمَدٍ،
وَبِاسْمِكَ المَخْزُونِ المَكْنُونِ المَكْتُوبِ الطَّاهِرِ الَّذِي إِذا دُعِيتَ
بِهِ أَجَبْتَ وَإِذا سُئِلْتَ بِهِ أَعْطَيْتَ، وَبِاسْمِكَ السُّبُّوحِ
القُدُّوسِ البُرْهانِ الَّذِي هُوَ نُورٌ عَلَى كُلِ نُورٍ وَنُورٌ مِنْ نُورٍ
يُضيءُ مِنْهُ كُلُّ نُورٍ إِذا بَلَغَ الأَرْضَ انْشَقَّتْ وَإِذا بَلَغَ
السَّماواتِ فُتِحَتْ وَإِذا بَلَغَ العَرْشَ اهْتَزَّ، وَبِاسْمِكَ الَّذِي
تَرْتَعِدُ مِنْهُ فَرائِص مَلائِكَتِكَ، وَأَسأَلُكَ بِحَقِّ جَبْرَئِيلَ
وَمِيكائِيلَ وَإِسْرافِيلَ وَبِحَقِّ مُحَمَّدٍ المُصْطَفى صَلّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَآلِهِ وَعَلى جَمِيعِ الأَنْبِياءِ وَجَمَيعِ المَلائِكَةِ،
وَبِالاسْمِ الَّذِي مَشى بِهِ الخِضْرُ عَلَى قُلَلِ الماءِ كَما مَشى بِهِ عَلَى
جَدَدِ الأَرْضِ، وَبِاسْمِكَ الَّذِي فَلَقْتَ بِهِ البَحْرَ لِمُوسى وَاغْرَقْتَ
فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ وَأَنْجَيْتَ بِهِ مُوسى بْنَ عُمْرانَ وَمَنْ مَعَهُ،
وَبِاسْمِكَ الَّذِي دَعاكَ بِهِ مُوسى بْنَ عِمْرانَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الأَيْمنِ
فَاسْتَجَبْتَ لَهُ وَأَلْقَيْتَ عَلَيْهِ مَحَبَّةً مِنْكَ وَبِاسْمِكَ الَّذِي
بِهِ أَحْيا عِيسى بْنُ مَرْيَمَ المَوْتى وَتَكَلَّمَ فِي المَهْدِ صَبِيّا
وَأَبْرَأَ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِكَ، وَبِاسْمِكَ الَّذِي دَعَاكَ بِهِ
حَمَلَةُ عَرْشِكَ وَجَبْرئِيلُ وَمِيكائِيلُ وَإِسْرافِيلُ وَحَبِيبُكَ مُحَمَّدٌ
صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَمَلائِكَتُكَ المُقَرَّبُونَ وَأَنْبِياؤُكَ
المُرْسَلُونَ وَعِبادُكَ الصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ السَّماواتِ وَالأَرَضِينَ،
وَبِاسْمِكَ الَّذِي دَعاكَ بِهِ ذُو النُونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبا فَظَنَّ أَنْ
لَنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ
سبُحْانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْتَ لَهُ وَنَجَّيْتَهُ
مِنَ الغَمِّ وَكَذلِكَ تُنْجِي المُؤْمِنِينَ، وَبِاسْمِكَ العَظِيمِ الَّذِي
دَعاكَ بِهِ داوُدُ وَخَرَّ لَكَ ساجِدا فَغَفَرْتَ لَهُ ذَنْبَهُ، وَبِاسْمِكَ
الَّذِي دَعَتْكَ بِهِ آسِيَةُ امْرأَةُ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ: رَبِّ ابْنِ لِي
عِنْدَكَ بَيْتا فِي الجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي
مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْتَ لَها دُعاءَها، وَبِاسْمِكَ الَّذِي
دَعاكَ بِهِ أَيُّوبُ إِذْ حَلَّ بِهِ البَلاءُ فَعافَيْتَهُ وَاذتَيْتَهُ
أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ وَذِكْرى لِلعابِدِينَ،
وَبِاسْمِكَ الَّذِي دَعاكَ بِهِ يَعْقُوبُ فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ بَصَرَهُ
وَقُرَّةَ عَيْنِهِ يُوسُفَ وَجَمَعْتَ شَمْلَهُ، وَبِاسْمِكَ الَّذِي دَعاكَ بِهِ
سُلَيْمانُ فَوَهَبْتَ لَهُ مُلْكا لايَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّكَ
أَنْتَ الوَهابُ، وَبِاسْمِكَ الَّذِي سَخَرْتَ بِهِ البُراقَ لِمُحَمَّدٍ صَلّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِذْ قالَ تَعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى
بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إِلى المَسْجِدِ الأَقْصى،
وَقَوْلُهُ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ، وَبِاسْمِكَ الَّذِي تَنَزَّلَ بِهِ
جَبْرئِيلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَبِاسْمِكَ الَّذِي
دَعاكَ بِهِ آدَمُ فَغَفَرْتَ لَهُ ذَنْبَهُ وَأَسْكَنْتَهُ جَنَّتَكَ.
وَأَسأَلُكَ بِحَقِّ القُرْآنِ العَظِيمِ وَبِحَقِّ مُحَمَّدٍ خاتَمِ
النَّبِيِّينَ وَبِحَقِّ إِبْراهِيمَ وَبِحَقِّ فَضْلِكَ يَوْمَ القَضاءِ
وَبِحَقِّ المَوازِينِ إِذا نُصِبَتْ وَالصُّحُفِ إِذا نُشِرَتْ وَبِحَقِّ
القَلَمِ وَماجَرى وَاللَّوْحِ وَما أَحْصى وَبِحَقِّ الاسْمِ الَّذِي كَتَبْتَهُ
عَلَى سُرادِقِ العَرْشِ قَبْلَ خَلْقِكَ الخَلْقَ وَالدُّنْيا وَالشَّمْسَ
وَالقَمَرَ بِأَلْفَي عامٍ، وَأَشْهَدُ أَن لا إِلهَ إِلاّ اللَّهُ وَحْدَهُ
لاشَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَسأَلُكَ بِاسْمِكَ
المَخْزُونِ فِي خَزائِنِكَ الَّذِي إِسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ
عِنْدَكَ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِكَ لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ
وَلانَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلاعَبْدٌ مُصْطَفى، وَأَسأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي
شَقَقْتَ بِهِ البِحارَ وَقامَتْ بِهِ الجِبالُ وَاخْتَلَفَ بِهِ اللَيْلُ
وَالنَّهارُ، وَبِحَقِّ السَّبْعِ المَثانِي وَالقُرْآنِ العَظِيمِ وَبِحَقِّ
الكِرامِ الكاتِبِينَ وَبِحَقِّ طهَ وَيس وَكهيعص وَحم عسقَ وَبِحَقِّ تَوْراةِ
مُوسى وَإِنْجِيلِ عِيسى وَزَبُورِ داوُدَ وَفُرْقانِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَآلِهِ وَعَلى جَمِيعِ الرُّسُلِ وَباهِيّا شَراهيّا؛ اللّهُمَّ إِنِّي
أَسأَلُكَ بِحَقِّ تَلْكَ المُناجاةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مُوسى بْنِ
عُمْرانَ فَوْقَ جَبَلِ طُورِ سَيْناءَ، وأَسأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي عَلَّمْتَهُ
مَلَكَ المَوْتِ لِقَبْضِ الأَرْواحِ، وَأَسأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي كُتِبَ عَلَى
وَرَقِ الزَّيْتُونِ فَخَضَعَتِ النِّيرانُ لِتِلْكَ الوَرَقَةِ فَقُلْتَ: يانارُ
كُونِي بَرْداً وَسَلاماً، وَأَسأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي كَتَبْتَهُ عَلَى
سُرادِقِ المَجْدِ وَالكَرامَةِ، يَا مَنْ لا يُخْفِيهِ سائِلٌ وَلا يَنْقُصُهُ
نائِلٌ يامَنْ بِهِ يُسْتَغاثُ وَإِلَيْهِ يُلْجَأُ أَسأَلُكَ بِمَعاقِلِ العِزِّ
مِنْ عَرْشك وَمُنْتَهى الرَّحْمَةِ مِنْ كِتابِكَ وَبِاسْمِكَ الأَعْظَمِ
وَجَدِّكَ الأَعْلى وَكَلِماتِكَ التَّامَّاتِ العُلى. اللّهُمَّ رَبَّ الرِّياحِ
وَما ذَرَتْ وَالسَّماءِ وَما أّظَلَّتْ وَالأَرْضِ وَما أَقَلَّتْ وَالشَّياطِينِ
وَما أَضَلَّتْ وَالبِحارِ وَما جَرَتْ وَبِحَقِّ كُلِّ حَقٍّ هُوَ عَلَيْكَ حَقٌّ
وَبِحَقِّ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وَالرَّوْحانِيِّينَ وَالكَرُوبِيِّينَ
وَالمُسَبِّحينَ لَكَ بِاللَيْلِ وَالنَّهارِ لايَفْتُرُونَ وَبِحَقِّ إِبْراهِيمَ
خَلِيلِكَ وَبِحَقِّ كُلِّ وَلِيٍّ يُنادِيكَ بَيْنَ الصَّفا وَالمَرْوَةِ
وَتَسْتَجِيبُ لَهُ دُعاءَه، يامُجِيبُ أَسأَلُكَ بِحَقِّ هذِهِ الأَسْماءِ
وَبِهذِهِ الدَّعَواتِ أّنْ تَغْفِرَ لَنا ماقَدَّمْنا وَما آَخَرْنا وَما أَسْرَرْنا
وَماأَعْلَنَّا وَماأَبْدَيْنا وَماأَخْفَيْنا وَماأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِّنا
إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
ياحافِظَ كُلِّ غَرِيبٍ يامُوْنِسَ كُلِّ وَحِيدٍ ياقُوَّةَ كُلِّ ضَعِيفٍ
ياناصِرَ كُلِّ مَظْلُومٍ يا رازِقَ كُلِّ مَحْرُومٍ يا مُوْنِسَ كُلِّ
مُسْتَوْحِشٍ ياصاحِبَ كُلِّ مُسافِرٍ يَا عِمادَ كُلِّ حاضِرٍ ياغافِرَ كُلِّ
ذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، ياغِياثَ المُسْتَغِيثِينَ ياصَرِيكَ المُسْتَصْرِخِينَ
ياكاشِفَ كَرْبِ المَكْرُوبِينَ يافارِجَ هَمِّ المَهْمُومِينَ يابَدِيعَ
السَّماواتِ وَالأَرَضِينَ يامُنْتَهى غايَةِ الطَّالِبِينَ يامُجِيبَ دَعْوَةِ
المُضْطَرِّينَ ياأَرْحَمَ الرَّاِحِمينَ يارَبَّ العالَمِينَ يادَيَّانَ يَوْمِ
الدِّينِ ياأَجْوَدَ الأَجْوَدِينَ ياأَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ ياأَسْمَعَ
السَّامِعِينَ ياأَبْصَرَ النَّاظِرِينَ ياأَقْدَرَ القادِرِينَ، اغْفِرْ لِي
الذُّنُوبَ الَّتِي تُغَيِّرُ النِّعَمَ وَاغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي
تُورِثُ النَّدَمَ وَاغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتِي تُورِثُ السَّقَمَ وَاغْفِرْ
لِي الذُّنُوبَ الَّتِي تَهْتِدُ العِصَمْ وَاغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتِي
تَرُدُّ الدُّعاءَ وَاغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتِي تَحْبِسُ قَطْرَ السَّماءِ
وَاغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتِي تُعَجِّلُ الفَناءِ وَاغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ
الَّتِي تَجْلِبُ الشَّقاءِ وَاغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتِي تُظْلِمُ الهَواءَ
وَاغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتِي تَكْشِفُ الغِطاءَ وَاغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ
الَّتِي لايَغْفِرُها غَيْرُكَ يااللَّهُ، وَاحْمِلْ عَنِّي كُلَّ تَبِعَةٍ
لأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، وَاجْعَلْ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجا وَمَخْرَجا وَيُسْرا
وَأنْزِلْ يَقِينَكَ فِي صَدْرِي وَرَجاءَكَ فِي قَلْبِي حَتَّى لا أَرْجُو
غَيْرَكَ اللّهُمَّ احْفَظْنِي وَعافِنِي فِي مَقامِي وَاصْحَبْنِي فِي لَيْلِي
وَنَهارِي وَمِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمالِي
وَمِنْ فَوْقِي وَمِنْ تَحْتِي وَيَسِّرْ لِيَ السَّبِيلَ وَأَحْسِنَ لِي
التَّيْسِيرَ وَلاتَخْذُلْنِي فِي العَسِيرِ وَاهْدِنِي يا خَيْرَ دَلِيلٍ
وَلاتَكِلْنِي إِلى نَفْسِي فِي الاُمُورِ وَلَقِّنِي كُلَّ سُرُورٍ، وَاقْلِبْنِي
إِلى أَهْلِي بِالفَلاحِ وَالنَّجاحِ مَحْبُورا فِي العاجِلِ وَالآجِلِ إِنَّكَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ وَأَوْسِعْ عَلَيَّ مِنْ
طَيِّباتِ رِزْقِكَ وَاسْتَعْمِلْنِي فِي طاعَتِكَ وَأَجِرْنِي مِنْ عَذابِكَ
وَنارِكَ وَاقْلِبْنِي إِذا تَوَفَّيْتَنِي إِلى جَنَّتِكَ بِرَحْمَتِكَ،
اللّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوالِ نِعْمَتِكَ وَمِنْ تَحْوِيلِ
عافِيَتِكَ وَمِنْ حُلُولِ نَقِمَتِكَ وَمِنْ نُزُولِ عَذابِكَ وَأَعُوذُ بِكَ
مِنْ جَهْدِ البَلاءِ وَدَرَكِ الشَّقاءِ وَمِنْ سُوءِ القَضاءِ وَشَماتَةِ
الأَعْداءِ وَمِنْ شَرِّ مايَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَمِنْ شَرِّ مافِي الكِتاب المُنْزَلِ،
اللّهُمَّ لاتَجْعَلْنِي مِنَ الأَشْرارِ وَلا مِنْ أَصْحابِ النَّارِ
وَلاتَحْرِمْنِي صُحْبَةَ الأَخْيارِ وَأَحْيِنِي حَياةً طَيِّبَةً وَتَوَفَّنِي
وَفاةً طَيِّبَةً تُلْحِقُنِي بِالأَبْرارِ وَارْزُقْنِي مُرافَقَةَ الأَنْبِياءِ
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، اللّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى
حُسْنِ بَلائِكَ وَصُنْعِكَ وَلَكَ الحَمْدُ عَلَى الإِسْلامِ وَإِتِّباعِ
السُّنَّةِ يارَبِّ كَما هَدَيْتَهُمْ لِدِينِكَ وَعَلَّمْتَهُمْ كِتابَكَ،
فَاهْدِنا وَعَلِّمْنا وَلَكَ الحَمْدُ عَلَى حُسْنِ بَلائِكَ وَصُنْعِكَ عِنْدِي
خاصَّةً كَما خَلَقْتَنِي فَأَحْسَنْتَ كَلْقِي وَعَلَّمْتَنِي فَأَحْسَنْتَ
تَعْلِيمِي وَهَدَيْتَنِي فَأَحْسَنْتَ هِدايَتِي فَلَكَ الحَمْدُ عَلَى
إِنْعامِكَ عَلَى قَدِيما وَحَدِيثا، فَكَمْ مِنْ كَرْبٍ ياسَيِّدِي قَدْ
فَرَّجْتَهُ وَكَمْ مِنْ غَمٍّ ياسَيِّدِي قَدْ نَفَّسْتَهُ وَكَمْ مِنْ هَمٍّ
ياسَيِّدِي قَدْ كَشَفْتَهُ وَكَمْ مِنْ بَلاءٍ ياسَيِّدِي قَدْ صَرَفْتَهُ وَكَمْ
مِنْ عَيْبٍ ياسَيِّدِي قَدْ سَتَرْتَهُ، فَلَكَ الحَمْدُ عَلَى كُلِّ حالٍ فِي
كُلِّ مَثْوىً وَزَمانٍ وَمُنْقَلَبٍ وَمَقامٍ وَعَلى هذِهِ الحالِ وَكُلِّ حالٍ،
اللّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَفْضَلِ عِبادِكَ نَصِيبا فِي هذا اليَوْمِ مِنْ
خَيْرٍ تَقْسِمُهُ أَوْ ضُرٍّ تَكْشِفُهُ أَوْ سُوءٍ تَصْرِفُهُ أَوْ بَلاءٍ
تَدْفَعُهُ أَوْ خَيْرٍ تَسُوقُهُ أَوْ رَحْمَةٍ تَنْشُرُها أَوْ عافِيَةٍ
تُلْبِسُها، فَإنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَبِيَدِكَ كَزائِنُ
السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَأَنْتَ الواحِدُ الكَرِيمُ المُعْطِي الَّذِي لايُرَدُّ
سائِلُهُ وَلايُخَيَّبُ امِلُهُ وَلايَنْقُصُ نائِلُهُ وَلايَنْفَذُ ماعِنْدَهُ
بَلْ يَزْدادُ كَثْرَةً وَطيبا وَعَطاءً وَجُودا، وارْزُقْنِي مِنْ خَزائِنِكَ
الَّتِي لاتَفْنى وَمِنْ رَحْمَتِكَ الواسِعَةِ إِنَّ
عَطاءَكَ لَمْ يَكُنْ مَحْظُورا وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ بِرَحْمَتِكَ ياأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
* * *واعلم أنهم (ع) مطلعون على حركاتك وسكناتك ، بل على خواطرك .. ولهذا ينبغي دخول مشاهدهم الشريفة بكامل الخضوع والانكسار، واستجماع المتفرق من الأفكار ، فإن تشتت الخواطر عندهم بمثابة استدبارهم.
وعليك أن تتحرز في مشاهدهم عن اللغو ، فضلاً على الغيبة أو استماعهـا ، وكذلك
الكذب وسائر المعاصي .. ومن آداب الحضور خفض الصوت ، عملا بقوله تعالى : { لا
ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } . الحجرات/2 .. فإن هذا جارٍ عند الأئمة (ع)
جميعــاً ، وخصوصاً عند أمير المؤمنين (ع) فإنه كنفس الرسول (ص).
وعليك بعرض إيمانك عليهم ، ليكون ذلك أمانة لديهم تستوفيها منهم عند شديد الحاجة
إلى ذلك ، فلا يكون للشيطان سبيلٌ عليك عند الممات.
وعليك باستذكار مصائبهم - وخصوصاً عند سيد الشهداء (ع) - فتذكّرها واحدة بعد
أخرى مع البكاء أو التباكي عندها.
يا حبـذا تلك التوبة الجامعة النصوحة إلى الله في تلك المشــاهد ، تشفعاً بذلك
الولي ، وتعاهداً مع الرب في عدم العودة إلى المعاصي، بل عدم العودة إلى كل لغو
وباطل .. إذ لا بد من وجود فرق بين حال الزائر قبل الزيارة وبعدها.
إن على الزائــر أن يتحمل الصعاب في سبيل زيارتهم ، وخصوصاً عند الخوف من الأعـداء
فقد ورد عنهم (ع):
ألا تحبّون أن تخافوا فينا؟ ..
كما ينبغي عدم الاستعجال في العودة من مشاهدهم الشريفة ، بدعوى الشغل في الوطن ، وخوف نفاذ المال ، وذهاب الرفقة وما شابه ذلك ، فإن ذلك كله من تسويلات الشيطان ، للحرمان من بركات الزيارة خصوصاً في مثل ليالي الجمعة.
فمن أين له اليقين بتوفيق العودة إلى تلك المشاهد الشريفة ؟.. وقد جرت العادة على أن الزائر في المشاهد، يتوقع التوفيق للزيارة مرة بعد أخرى ، ولكن أنّى له ذلك ، وهذا مما قد جرّب !..
بقي القول في أنه ما دام الزائر في المشهد، فهل ترجح الزيارة المتكررة صباحاً
ومساءً ؟!.
وقد أجاب البعض بحسن تكرار الزيارة ، والحق هو التفصيل لا القول المطلق ، والمختار
في ذلك :
أن الزيارة - بشرائطها المقررة - في غاية المطلوبية ، وأما من دون تحقق تلك الشرائط
ففيه أيضاً تفصيل .. والمقام لا يسع ذلك ، والله العالم الصواب.
* * *وقد وردت الآيات والأخبار الصحاح في فضل ذلك ، ويكفي مدحاً لها قول أصدق الصادقين
في كتابه الكريم:
{ إن الله يحب التوابين } . البقرة /222 .. وقول النبي (ص) : التائب من الذنب
كمن لا ذنب لـه. الكافي 2/ص435..
وقد ذكرتْ معان عديدة للتوبة ، فمنها :
المعنى الفقهي: وهو ترك المعاصي في الحال ، والعزم على الترك في الاستقبال ،
وتدارك ما يمكن تداركه في المآل.
ومن معانيه : خلع لباس الجفاء ، ثم نشر بساط الوفاء .
ومن معانيه : مطلق الندم.
وعلى أي حال ، لا إشكال في وجوبه عقلاً وشرعاً بلا تأمل ، إذ لو علمت انحصار
السعادة الحقيقية الأبدية في لقاء الله تعالى ، لعلمت أن المحجوب عنه شقي محترقٌ
بنار الفراق في دار البوار ، ومن المعلوم أن من أغلظ الحجب : حجاب اتباع الشهوات
وارتكاب السيئات ، لكونه إعراضاً عن الله تعالى بمتابعة الشيطان والهوى ، بل
بعبادتهما في الواقع ، لما روى من أنه : من أصغى إلى ناطق فقد عبده. الكافي 6/ص434..
ولعلمت أيضا أن الانصراف عن طريق البعد للوصول إلى مقام القرب واجب ، ولا يتم
الانصراف إلا بالأمور الثلاثة المذكورة في معنى التوبة ، وقد تقرر في محله أن
مقدمة الواجب واجبة عقلاً وشرعاً ، نظراً إلى الملازمة بينهما ، كما أن وجوبه
أيضا فوري كما لا يخفى .. فكما أن شارب السم لا بد له من إخراج السم من بدنه
فوراً - بقيءٍ أو بغيره - وإلا سبّب له الهلاك الدائم ، فكذلك الأمر في سموم
المعاصي ، فلو تساهل في التوبة منها ، فسيحل عليه الهلاك ويختم له بالشر ، وقد
كانت عمدة خوف الأنبياء والأولياء من سوء الخاتمة.
فالبدار البدار!.. يا إخوان الحقيقة وخلان الطريقة إلى التوبة الحقيقية ، قبل
أن تعمل سموم الذنوب في روح الإيمان بما لا ينفع بعده الاحتماء ، وينقطع عنه
تدابير الأطباء ، ويعجز عن التأثير فيه نصح العلماء ، وتكونوا من مصاديق قوله
تعالى :
{وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون وسواء عليهم
أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} . يس/9
ثم اعلم أيها الأخ الأعز!.. أنك لا تخلو من المعصية في جــوارحك من: الغيبــة
، والإيـذاء ، والبهتـان ، وخيـانة البصـر وغيـرها من صنـوف المعاصي ، ولـو فـرض
خلـوك منها ، فإنك لا تخلو عن الرذائل في نفسك والهمّ بهـا ، وإن سلِمت منها
فلا أقل من الخواطر المتفـرقة المذهلة عن ذكر الله ، ولـو سلِمت منها أيضاً فلا
أقـل من الغفلة والقصـور في معـرفة الله وصفات جمـاله وجلاله وعجائب صنعه وأفعـاله
، ولا ريب في أن كل تلك الأمور ، من موجبـات النقص التي ينبغي تداركهـا ، ولذلك
وجبت التوبة في كل آنٍ من الآنات .. إذ قــال أشرف المخلوقات صلى الله عليه وآله
:
إنه ليغان على قلبي ، حتى استغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة المستدرك 5/ص320..
فإذا عرفت معنى التوبة وضرورتها ، والتفت إلى أن تركها يعني الإصرار على الذنب
، فاعلم أن الله تعالى إنما يقبل التوبة الصحيحة بشروطها ، ومنها غسل وسخ القلوب
بالدموع ، بعد اشتعال نيران الندامة فيها.
وكلما زادت نيران الندم اشتعالا كلما تحقق الأمل بتكفير الذنب ، وبذلك تتحقق
علامة الصدق في التوبة.. وعليه فلا بد من تبديل حلاوة الشهوات بمرارة الندم ،
ليكون علامة على تبدل السيئات بالحسنات .. ألم تسمع قصة ذلك النبي من بني إسرائيل
الذي سأل الله التوبة لعبدٍ أمضى حياته جاهداً في عبادة ربه ، فلم يقبل الله
تعالى توبته لأنه كان يجد حلاوة المعصية - التي تاب منها - في قلبه!!.
ومن هنا قالوا أنه لا بد من إذابة اللحم الذي نبت على الحرام ، فهو لحمٌ فاسد
ومفسد للصحيح.
ولا بد من تعلق قصده بترك كل مُحرّم ، وأداء كل واجب في الحال وفي الاستقبال
إلى أن يلقى ربه ، كما أنه لا بد من تدارك ما قد فاته في سالف أيامه.
إن على التائب أن يستقصي في نفسه عالم ما قبل البلوغ وحين البلوغ وبعد البلوغ
، لينظر إلى تصرفاته في أموال الآخرين ، سواء كانت بعمد أم خطأ ، مكلفاً كان
أو غير مكلف .. فإذا كان حقـاً ماليـاً ووجـد صاحبه - ولو كان وارثا - استحل
منه ، وإلا رد تلك المظلمة حين القدرة والاستطاعة.
ثم ينظر في الطاعــات ، فمـا ترك منهـا يلتزم بقضائها وكفارتها.. ثم ينظـر إلى الحقـوق الشرعية كالخمس والزكاة وما في ذمته ، فيوصـلها إلى مصارفهـا الشرعية لئـلا يبقى في حياته ما يحتاج إلى تداركٍ وتعويض ، فإنه لو مات على تلك الحالة أُبتلى بالعذاب الأليم.
وإلى جميع ما ذكر يشير قول أمير المؤمنين عليه السلام: الاستغفار واقع على ستة
معان :
أولها الندم على ما مضى ، ثم العزم على ترك العود اليه أبدا ، وأن تؤدي إلى المخلوقين
حقوقهم ، حتى تلقى الله أملس ليس عليك تبعةٌ ، وأن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيّعتها
فتؤدي حقها ، وأن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتُذيبه بالأحزان ، حتى
تُلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد ، وأن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته
حلاوة المعصية ، فعند ذلك تقول : استغفر الله . البحار 90-285
ومن المناسب أن تكون الطاعة - في مقام التوبة - من جنس المعصية ، فإذا كان عاصياً
بسفر محرم فتداركُه إنما يكون بسفر الطاعة ونحو ذلك ، مما يطول ذكر أمثلته..
ولا بد أن يحقق في نفسه شيئاً من الحزن والندامة الصادقة ، ثم يتوب بالطريقة
التي ذكرها السيد بن طاووس في مـا رواه عن النبي (ص) وهي : أن يغتسل ويتوضأ ،
ثم يصلي أربع ركعات : يقرأ في كل منها {الحمد } مرة و{ قل هو الله أحد } ثلاث
مرات { والمعوذتين } مرة ثم يسـتغفر سبعين مرة ، ثم يختم بكلمة : لا حول ولا
قوة الا بالله العلي العظيم ، ثم يقول سبع مرات :
يا عزيز !.. يا غفار !.. اغفر لي ذنوبي وذنوب جميع المؤمنين والمؤمنات ، فإنه
لا يغفر الذنوب إلا أنت .
فإن من قام بهذا العمل قُبلت توبته ، وغُفرت ذنوبه ، ورضي عنه خصماؤه يوم القيامة
، ومات على الإيمان وما سلب منه الدِّين ، ويُفسح في قبره ويُنوَّر فيه ، ويرضى
عنه أبواه ، ويُغفر لأبويه ولذريته ، ويوسَّع في رزقه ، ويرفقُ به ملكُ الموت
عند موته ، ويخرج الروح من جسده بيسر وسهولة .
ومن المناسب - قبل هذا العمل - أن يُقدّم شيئاً من الصدقة ولو كانت قليلة ، لأن
صدقة السر تُطفئ غضب الرب تعالى .. وأن يذهب إلى مكان خالٍ جالساً على التراب
، متذكراً معاصيه واحدة بعد أخرى ، مصرحاً بزمانه ومكانه ، ملتمساً من ربه المغفرة
، معترفاً بالندامة .. وهكذا يحسن التفصيل في الاعتراف بجزئيات الذنوب ، ببكاء
وحزن.
كما أنه من المناسب أيضا بعد ذلك ، قراءة دعاء التوبة في الصحيفة السجادية وأوله: يا من لا يصفه نعت الواصفين .. الصحيفة ص138 وكذلك المناجاة الأولى من المناجاة الخمسة عشر.. ثم يقسم على الله تعالى بحق المقربين لديـــه أن يقبل توبتـه ، ثم يسأله العـزم على الثبات ، وليغلب على ظنـه أن الله تعـالى يقبـل التوبة ويعفـو عن السيئات ، فهو يعامل عبده بمقدار حسن ظنـه به ، كمـا تدل عليه الروايات.
ولو خالف التوبة وعاد إلى المعصية ، فعليه بالتوبة مرة بعد أخرى ولا ينبغي له
أن ينتابه اليأس من العودة إلى الذنب ، فإنه أرحم من كل رحيم.
واعلم أن للإنسان ثلاث حالات في المعاصي: حالةٌ قبل المعصية ، وحالةٌ حين المعصية
، وحالةٌ بعد المعصية ، ولكل من الحالات أحكام مختلفة.
أما حاله قبل ارتكاب المعصية : فعليه أن يلقّن نفسه أخبار الخوف ، لعل ذلك يوجب
له الانصراف عن المعصية ، فليتصوّر ما لو هدده مولاه بقوله : ( إني لا أغفر لك
أبداً ).
فإن الرب قد جعل للعبد حدوداً من المخالفة يستحق فيها العفو.. فإذا تجاوز العبد حدّه طرده مولاه ، وأخرجه من قابلية التوبة والمغـفرة ، إذ أن الرحمة - في هذه الحالة - خلاف مقتضى الحكمة ، ومن المعلوم أن العبد عند كل معصية ، يحتمل أنه - بتلك المعصية - قد تجاوز الحدَّ الموجب للطرد .
وأما حاله حين ارتكاب المعصية : فإنه لا بد أن يشتد عندها خوفُه ، لأن مالك
الملوك - جلّ شأنه العظيم - حاضر لديه ، وناظر إليه ، والعبد في محضره يهتك حرمته
وهو يعلم أن كل ما في الوجود ، جنود مجندة بين يدي مولاه ، بل جوارحه التي عصى
بها ، فإنها طوع إرادته في أن يعاقب بها من يريد .
وليعلم أن العودة إلى التوبة ، مما يُحمد عليها في أية مرحلة من مراحل المعصية..
وأما حاله بعد المعصية وغلبة الشهوة : فإنه ينبغي مراجعة أخبار الرجاء ، لئلا
يُلقي الشيطان في روعه اليأس قائلا : إنك عصيت عن عمدٍ والتفـــات ، فما فائدة
التوبة بعد ذلك ؟..
إن على العبـد - في هذه الحالـة - أن يعلـم أن كل وهـمٍ وخيـالٍ يمنعــانه عن
التوبـة والتدارك إنمـا هو من الشيطان .. فلا بد من تذكيــــر نفسه بكرم المولى
عـز اسمه ، وأن اليأس من رحمته من المعاصي الكبيرة.
فكيف لا يعـود العـبد إليه وهو الراحم لمن لا راحم له ، وهـو الذي تسمى بالوهّاب
لكثرة جوده ، وهو الذي عند حسن ظن عبـده المؤمن ..كـل هـذه الأمـور تدل بوضوح
على أن العبد إذا لم يكن متمرداً على المـولى ، فإن الرحمـة الواسعة شاملة له
، إلا إذا قبُحت الرحمة في حقه .
وقد ورد عن النبي (ص) قبـول توبة من قتل سبعين نبياً ثم تاب إلى الله تعالى.
ثم اعلم أيها الأخ الأعز !.. إن العبد إذا تاب على التفصيل المذكور فإنه سيكون
في أول درجات التائبين .. فلا بد له من الوصول إلى حقيقـة التوبة بعد ذلك.
إنّ حقيقة التوبة ليست هذه الألفاظ وإنما لها واقع ودرجات ، شأنها شأن جميع الدرجات
الأخلاقية ، التي لها حقائق لا بد من استيعابها ، وهي مما لا يمسه إلا المطهرون.
فهذا آدم (ع) قال: { ربنا ظلمنا أنفسنا } . الأعراف/23.. وهذا نبي الله أيوب
(ع) قال: { رب إني مسني الضر وأنت ارحم الراحمين }. الأنبياء/83.. ونحن نكـرر
مـا قـالاه ، ولكن كم من الفــرق بين الأمرين!!
إن استيعاب حقائق كلامهم (ع) ودقائق إشاراتهم ، يفوق ما يدور بيننا من سؤال وجواب
، ورسالتنا هذه لا تحتمل تفاصيل هذا الأمر.. اللهم اهدنا فيمن هديت.
فحاصل الكلام من البـدء إلى الختم بتقرير آخر : إن السالك سبيل التقوى يجب عليه
مراعاة أمور.
* * *