جَنَّة المعلاة

يقع إلى جوار الحجون في مكّة المكرّمة شعب يُعرف بشعب أبي دبّ1، وأبو دبّ رجل من بني سواءة بن عامر سكنه فسمّي به2.

وقال ياقوت الحموي عن هذا الشعب ما يلي:

شِعْبُ أبي دُبّ: بمكة... قال الفاكهي أبو عبد الله محمد بن إسحاق في كتاب مكّة من تصنيفه: أبو دُبّ هذا رجل من بني سُواءة بن عامر بن صَعصَعة3.

ويُسمّى هذا الشعب الواقع إلى الشمال الشرقي من مكّة أيضاً، بشعب الجزّارين4 ويُسَمّيه بعض آخر، باسم «شعب المقبرة» وسبب هذه التسمية أن أهل الجاهلية كانوا يدفنون موتى أهل مكّة في هذا المكان5.

وذكر الأزرقي:

كان أهل الجاهلية وفي صدر الإسلام يدفنون موتاهم في شعب أبي دبّ من الحجون إلى شعب الصفي، صفي السباب6، وفي الشعب اللاصق بثنية المدنيين الذي هو مقبرة أهل مكّة اليوم، ثم تمضي المقبرة مصعدة لاصقة بالجبل إلى ثنية أذاخر بحايط خرمان7.

وقال في موضع آخر:

كان أهل مكّة يدفنون موتاهم في جنبتي الوادي يمنة وشامة8 في الجاهلية وفي صدر الإسلام، ثم حول الناس جميعاً قبورهم في الشعب الأيسر لما جاء من الرواية فيه، ولقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) نعم الشعب، ونعم المقبرة. ففيه اليوم قبور أهل مكّة إلاّ آل عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، وآل سفيان بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فهم يدفنون في المقبرة العليا بحايط خرمان9.

تُعرف هذه المقبرة فيما مضى بمقبرة المعلاّة، ويسمّيها بعض آخر بالمُعلّى10 وبين أهل مكّة تعرف بجنّة المعلاة11ولمّا كان جبل الحجون مشرفاً على هذه المقبرة، فقد سمّاها البعض بمقبرة الحجون12.

روى ابن عباس عن النبيّ (صلى الله عليه وآله)أنه قال:

نعم المقبرة هذه، مقبرة أهل مكّة13.

روى هذه الرواية بتعبير آخر:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نِعْمَ الشِّعب ونِعْمَ المقبرة14.

وجاء في معجم الطبراني أن ابن عباس قال: لما أشرف النبيُّ (صلى الله عليه وآله) على المقبرة وهو على طريقها الأول، أشار بيده وراء الضفيرة أو الظهيرة فقال: «نِعْمَ المقبرة هذه» قلت للذي يخبرني: خصّ الشعب؟ قال: هكذا كنا نسمع أن النبيَّ (صلى الله عليه وآله)خصّ الشعب المقابل بالبيت15.

عبد الله بن مسعود قال: وقف رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الثنيّة، ثنيّة المقبرة، وليس بها يومئذ مقبرة فقال: يبعث الله من هذه البقعة ومن هذا الحرم كلّه سبعين ألفاً، يدخلون الجنّة بغير حساب، يشفع كلّ واحد منهم في سبعين ألف، وجوههم كالقمر ليلة البدر، فقال أبو بكر: يا رسولَ الله من هم؟ قال: الغرباء. انتهى16.

كثير بن كثير ـ من مشاهير شعراء القرن الأوّل للهجرة ـ قال في هذه المقبرة:


 

  • كم بِذاكَ الحَجُون مِنْ أَهْلِ صِدْق سَكَنُوا الجَزَع جَزْعَ بيت أبي مو أهل دار تبايعوا للمنايا فارقوني وقد علمتُ يقيناً ما لمن ذاق ميتة من إياب17

  • وكُهُولٍ أَعِفَّة وشَباب سى إِلى النَّخْلِ من صُفىِّ السّباب ما على الدّهر بعدهم من عتاب ما لمن ذاق ميتة من إياب17 ما لمن ذاق ميتة من إياب17

 

كانت هذه المقبرة ومنطقة الحجون معروفة في الماضي، ونظم فيها شعراء العرب الكثير من الأشعار، نذكر بعضها:


 

  • فلمّا التَقَيْنا بالحَجُونِ تَنَفَّسَت تَنَفُّس محزونِ الفؤاد سقيم18

  • تَنَفُّس محزونِ الفؤاد سقيم18 تَنَفُّس محزونِ الفؤاد سقيم18

 

وقال شاعر آخر:


 

  • وارداتِ الكديد19 مُجتَرعاتٍ حُزن وادِى الحَجُون بِالاَثْقال20

  • حُزن وادِى الحَجُون بِالاَثْقال20 حُزن وادِى الحَجُون بِالاَثْقال20

 

وقال آخر:


 

  • ليالي سّمار الحَجُونِ إِلَى الصَّفا ولو نَطَقَتْ بَطْحاؤُها وحَجونُها وخيفُ مِنىً واِلمأزِمان وزمزم21

  • خُزاعة إذ خَلّت لها البيت جُرْهُم وخيفُ مِنىً واِلمأزِمان وزمزم21 وخيفُ مِنىً واِلمأزِمان وزمزم21

 

وقال الأعْشي:


 

  • فَما أَنْتَ مِنْ أَهْلِ الحَجُونِ ولاَ الصَّفا ولا لَكَ حَقُّ الشِّرْبِ فى ماءِ زَمزَم

  • ولا لَكَ حَقُّ الشِّرْبِ فى ماءِ زَمزَم ولا لَكَ حَقُّ الشِّرْبِ فى ماءِ زَمزَم

 

وقال عمرو بن الحرث بن مُضاض بن عمرو يَتأسَّف على البيت، وقيل هو للحرث الجُرْهُمي:


 

وكُهُولٍ أَعِفَّة وشَباب

كم بِذاكَ الحَجُون مِنْ أَهْلِ صِدْق

سى إِلى النَّخْلِ من صُفىِّ السّباب

سَكَنُوا الجَزَع جَزْعَ بيت أبي مو

ما على الدّهر بعدهم من عتاب

أهل دار تبايعوا للمنايا

ما لمن ذاق ميتة من إياب17

فارقوني وقد علمتُ يقيناً

وروى الأزرقي عن ابن صيفي أنه قال: من قُبر في هذه المقبرة بُعث آمناً يوم القيامة ـ يعني مقبرة مكّة ـ23.

وإنّ من مميزات هذه المقبرة وقوعها أمام جزء من الكعبة:

قال الأزرقي: قال جدّي: لا نعلم بمكّة شعباً يستقبل ناحية من الكعبة ليس فيه انحراف إلاّ شعب المقبرة فإنّه يستقبل وجه الكعبة كلّه مستقيماً24 وممّا ورد في فضل هذه المقبرة ما نقل عن عبد الله بن المرجاني في تاريخه للمدينة أنه قال: سمعت والدي يقول : سمعت الشيخ أبا عبد الله الدلاصي يقول: سمعت الشيخ أبا محمد الدبشي يقول: كُشِف لي عن أهل المعلاة فقلت: أتجدون نفعاً بما يُهدى إليكم من قراءَة أو نحوها؟ فقالوا: لسنا محتاجين إلى ذلك، قال: فقلت لهم: ما منكم أحد واقف الحال؟ قالوا: ما يقف حال أحد في هذا المكان25.

قال الفاسي في شفاء الغرام:

زيارة هذه المقبرة مستحبّة لِما حَوَتْه من سادات الصحابة والتابعين وكبار العلماء والصالحين26.

قال الجوهري: الحَجون ـ بفتح الحاء ـ جبل بمكة وهي مَقْبُرة.

وقال ابن الأثير: الحَجُونُ الجَبَلُ المُشْرِف ممّا يَلي شِعْب الجَزَّارين بِمَكّة. وقال ابن منظور: والحَجُونُ موضِعٌ بمكّة ناحية من البيت27.

وقال محمد حسين هيكل في وصف مقبرة المعلاّة:

ومقبرة المعلاة تقع في الشمال الشرقي من مكّة، وهي فضاء فسيح محصور بين الجبال من شماله وغربه، وتفصل بينه وبين الجبال من الشرق بعض المساجد والمساكن، ويتصل من الجنوب بمنازل أهل مكّة، وهذه المقبرة قديمة ترجع إلى عهد الجاهلية، وهي ما تزال مع ذلك مقبرة أهل مكّة في هذا الزمن الحاضر. ولعل بقاءها مقبرة حتى اليوم يرجع إلى تقديس المكيين للقبور القديمة الّتي بها أكثر مما يرجع إلى رغبتهم عن اتخاذ مقبرة لمدينتهم فيما وراء الجبال التي تحصرها28.

والمسافة من باب بني شيبة إلى باب مقبرة المعلاة 2127 ذراعاً بذراع اليد أي 1042 متراً تقريباً29. والمسافة بين باب المعلاة بمكة وأوّل منى 5407 أمتار

المدفونون في هذه المقبرة

:

دُفن في هذه المقبرة الكثير من الشخصيات البارزة في تاريخ الإسلام نذكر فيما يلي أسماء بعضهم:

1 ـ قصي بن كلاب، وهو أوّل شخص دفن في الحجون، توفّي في مكّة، ومن بعد دفنه في الحجون، اعتاد الناس على دفن موتاهم فيهـا31.

2 ـ عبد مناف32.

3 و4 ـ عبد المطّلب وهاشم أجداد النبيِّ (صلى الله عليه وآله)33.

5 ـ أبو طالب، توفي في السّنة العاشرة للبعثة بعد أن مضى من عمره نيّفٌ وثمانون عاماً، ودفن في مقبرة الحجون34.

6 ـ خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأُمّ المؤمنين35، توفيت بعد انتهاء المقاطعة، والخروج من الشعب، عن عمر يبلغ 65 عاماً ودفنت في مقبرة الحجون، فجع الرسول بوفاتها وحزن عليها أشدّ الحزن.

7 ـ القاسم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله)36.

8 ـ الطيب (عبد الله) بن رسول الله (صلى الله عليه وآله)37.

أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله) الّذين ولدوا بمكّة هم:

1 ـ القاسم 2 ـ الطيب (عبد الله) 3 ـ الطاهر 4 ـ زينب 5 ـ رقيّة 6 ـ أُمّ كلثوم 7 ـ فاطمة (عليها السلام).

قال ابن هشام: كان أكبرهم القاسم ومن بعده الطيب والطاهر38 ولد القاسم قبل البعثة، إلّا أن عبد الله واسمه الآخر الطيب، وكذلك الطاهر ولدا في عهد الإسلام وبعد البعثة39.

9 ـ سميّة أُمّ عمار بن ياسر أوّل شهيدة في الإسلام واسمها سميّة بنت الخبّاط مولاة أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله.

10 ـ عبد الله بن ياسر، أخو عمّار.

11 ـ حذامة بنت خويلد اخت خديجة الكبرى (عليها السلام).

12 ـ أسماء بنت أبي بكر.

13 ـ زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب أُخت عثمان بن مظعون زوجة عمر بن الخطاب.

14 ـ عبد الله بن شهاب بن عبد الحرث جدّ محمد بن شهاب الزهري.

15 ـ عبد الله بن عمر بن الخطّاب وأُمّه زينب بنت مظعون، مات بمكة في سنة أربع وسبعين، وقد أتت له أربع وثمانون وكان نازلا على عبد الله بن خالد بن أسيد في داره، وكان صديقاً له، فلما حضرته الوفاة أوصاه أن لا يصلّي عليه الحجاج، وكان الحجاج بمكة والياً بعد مقتل ابن الزبير فصلّى عليه عبد الله بن خالد بن أسيد ليلا على ردم آل عبد الله عند دارهم، ودفنه في مقبرته40.

16 ـ عبد الله بن الزبير بن العوّام41.

ظنّ بعض المؤرخين أن قبر آمنة بنت وهب أُمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذه المقبرة، وهذا ليس بصحيح إذ ذكر ابن هشام في سيرته، وابن سعد في طبقاته بأنّ وفاة آمنة كان بالأبواء بين مكّة والمدينة، ودفنت هناك42.

وقال الأزرقي: قد زعم بعض المكيين أن في هذا الشعب قبر آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة أُمّ رسول الله43. ومن هذه العبارة ـ قد زعم ـ يظهر بأن هذا عنده ليس بصحيح.

وجاء في مرآة الحرمين:

... وبه أيضاً قبر زعموا أنه لآمنة أمّ الرسول (صلى الله عليه وآله) وهذا افتراء، والحقيقة أنها مدفونة بالأبواء44 بين المدينة ومكّة على نحو 13 ميلا من رابغ45.

وقع الأبواء في الجهة الشرقية للمدينة المنورة، ومن رابغ إلى الأبواء 43 كيلومتراً ـ

وقد ذكر مجد الدّين أبو الطاهر محمد بن يعقوب الحافظ الفيروز آبادي في كتابه باسم ـ اثارة الحجون إلى زيارة الحجون ـ وكذلك محمد بن العلوي المالكي في مؤلفاته، أسماء بعض الصحابة والتابعين والعلماء والعرفاء المدفونين في هذه المقبرة46.

كانت مقبرة الحجون قبل تسلّط الوهابيين موضع اهتمام خاص من أهل مكّة وحجّاج بيت الله الحرام، وكان الناس يقصدونها لزيارة القبور.

قال محمد حسين هيكل في كتابه ـ في منزل الوحي ـ ما يلي:

وقبور المعلاة مسوّاة بالأرض اليوم، وهي لم تكن كذلك قبل أن يدخل الوهابيون الحجاز. ويفصل بينها وبين الطريق منحدر من الأرض يسمو بها، وبما تحويه من ذكريات إلى سفح الجبل. وإنك لترى بها على رؤوس قبور شواهد نفشت عليها بالخطّ الكوفي أو بالخطّ الثلث الجميل آيات قرآنية في أغلب الأمر، وأسماء ساكني هذه القبور في بعض الأحيان، ولقد صحبنا حارس المقبرة في مسيرنا يهدينا أثناءها إلى مقابر بعض الصحابة والتابعين.

وتقدمنا غير بعيد، ثم وقف يشير بإصبعه إلى قبر ذكر أنّه قبر عبد الله بن الزبير ... وإلى جانب قبر ابن الزبير أشار الحارس إلى قبر آخر ذكر أنه قبر أُمّه أسماء بنت أبي بكر. ومدّ الحارس بصره إلى ناحية الجبل من الشمال ومددنا البصر معه، فأشار الى جدار قائم في سفح الجبل يحجب ما وراءه ولم ينبِس ببنت شفة. أمّا الشيخ عبد الحميد حديدي47 فقد أخبرني أنّ الوهابيين شادوا هذا الجدار ليستروا به قبر خديجة أُمّ المؤمنين، وقبور بني هاشم من أجداد الرّسول عن الأعين، وليحولوا بين الحجاج وزيارتها للتبرّك بها; لأنّهم يرون في الزيارة والتبرك إثماً هو إثم الشرك بالله، أو اتخاذ هذه القبور زُلْفَى إليه.

وتقدّمنا الشيخ عبد الحميد إلى ناحية هذا الجدار متخطِّياً المقبرة التي كنّا بها إلى فضاء يعترض السبيل إليه عارض من خشب سُدَّ به الطريق... وبعد هنيهة أشار إلى قبر على يسار الداخل قال: إنّه قبر خديجة بنت خويلد أُمّ المؤمنين وجدّة جميع المنتسبين إلى الرسول بأنهم من أبناء ابنته فاطمة وابن عمّه علي بن أبي طالب. ولقد سُوِّى هذا القبر بالأرض كما سويت سائر القبور بأمر الوهابيين. وتقدمنا خطوتين بعد ذلك إلى قبور، قال الحارس: إنها قبور جَدّي الرسول: عبد المطلب وعبد مناف وعمه أبي طالب. ثم أشار إلى قبر ذكر أنه قبر أُمّه آمنة. ولم يدهشني ما ذكره عن قبر آمنة مع علمي أنها توفيت ودفنت بالأبواء بعد الذي ذكره أهل مكّة عن هذه الآثار وقيمة سندها من التاريخ. فالقول بوجود قبر آمنة في هذا المكان إنما كان يقْصَد به الى الاستزادة مما يدفعه الحجاج أثناء زيارتهم هذه القبور للتبرّك... وآن لنا أن ننصرف من المقبرة، فاستوقفنا الحارس إذ مدّ يده ممسكاً بها قطعة من القاشاني الأخضر الجميل اللون زينت أطرافها بنقش فني دقيق وقال: «هذه قطعة من جدار القبة التي كانت على قبر السيدة خديجة» فقد كان على قبر خديجة قبة شاهقة بارعة الجمال، يذكر المؤرخون أنها بنيت في السنة الخمسين والتسعمائة من الهجرة أثناء ولاية داود باشا بمصر، وأن الذي بناها أمير دفاتر هذا الوالي الأمير الشهيد محمد بن سليمان الجركسي. وقد أزال الوهابيون هذه القبة فيما أزالوا من القباب أوّل دخولهم مكّة إرضاء لهوى إيمانهم، ثم بقيت صورتها الشمسية تشهد بأنها كانت آية بارعة في فنّ العمارة براعةً تصدّ من يفهم هذا الفن عن أن يصيبها بسوء. وكانت إلى جوارها قباب لجدّي النبيّ عبد المطّلب وعبد مناف ولعمّه أبي طالب، بذلك كانت هذه المقبرة بِدْعاً يعشقه من يحبون جمال الفن، وكان الناس يزورونها إجلالا لهذه القِباب، وتبركاً بذكرى ساكنيها. أما اليوم فلا يفكر أحد في القباب وقد أزيلت، ولا يزور أحدٌ القبورَ وقد حيل بين الناس وبينها بهذا الجدار الذي يصدّهم عنها. على أنهم ما فتئوا يحضرون اليوم كما كانوا يحضرون من قبل فيقفون عند هذا الحاجز الذي تخطيناه قبل أن نصعد سفح الجبل فيقرأُون الفاتحة ويلتمسون البركة ثم ينصرفون48.

قال «رفعت باشا»: قد زرنا هذه المقابر وقت مرورنا بها، ويحيط بالمقبرة سور قديم مَبْن بالحجارة وبها قبور كثير من الصحابة، وبالشق الأيسر قبة شاهقة على قبر السّيدة خديجة أُمّ المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ وبه أيضاً جملة قباب قيل لنا: إنها على مقابر عبد مناف وعبد المطلب بن هاشم أجداد النبيِّ (صلى الله عليه وآله)وكذلك قبة على قبر عمّه أبي طالب49.

تحظى منطقة الحجون ـ إضافةً إلى ما لها من أهمية بسبب عظمة الشخصيات المدفونة فيها ـ بقداسة خاصة لدى المسلمين ولا سيما أهل السنة، وذلك لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) حينما عاد من المدينة ودخل مكّة، دخلها من هذه المنطقة وسكن فيها.

ابو الوليد قال: حدّثني جدّي عن مسلم بن خالد عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء أنّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) بعدما سكن المدينة كان لا يدخل بيوت مكّة، قال: إذا طاف بالبيت انطلق إلى أعلى مكّة فاضطرب به الأبنية، قال عطاء: في حجته فعل ذلك أيضاً، ونزل أعلى مكّة قبل التعريف، وليلة النفر نزل أعلى الوادي.

ونقل عن أبي رافع أنه قال: قيل للنبيِّ (صلى الله عليه وآله) يوم الفتح: أَلا تنزل منزلك بالشعب؟ قال: وهل ترك لنا عقيل منزلا؟ قال: وكان عقيل بن أبي طالب باع منزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومنازل أخوته من الرجال والنساء بمكة حين هاجروا، ومنزل كلِّ مَن هاجر من بني هاشم فقيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله): فانزل في بعض بيوت مكّة في غير منزلك، فأبى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: لا أدخل البيوت. فلم يزل مضطرباً بالحجون لم يدخل بيتاً، وكان يأتي المسجد من الحجون50.

ونقل أيضاً عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جدّه قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) مضطرباً بالحجون في الفتح يأتي لكل صلاة51.

وسكن أبو موسى الأشعري في هذا الشعب بعد انصرافه من الحكمين، وله على فم الشعب سقيفة وقال كثير بن كثير السهمي له:


 

  • سكنوا الجزع جزع بيت أبي موسى إلى النخل من صفى السباب

  • إلى النخل من صفى السباب إلى النخل من صفى السباب

 

وعلى باب الشعب بئر لأبي موسى، وكانت تلك البئر قد دثرت واندفنت حتى نثلها بغا الكبير أبو موسى، ونفض عامتها، وبناها بنياناً محكماً، وضرب في جبلها حتى انبط ماؤها، وبنى بحذائها سقاية، وجنابذ يسقي فيها الماء، واتخذ عندها مسجداً، وكان نزوله هذا الشعب حين انصرف عن الحكمين، وكانت فيه قبور أهل الجاهلية فلما جاء الإسلام حولوا قبورهم إلى الشعب الذي بأصل ثنية المدنيين الذي هو اليوم فيه، فقال أبو موسى حين نزله: أجاور قوماً لا يغدرون، يعني أهل المقابر52.

وجاء في الروايات التاريخية: حينما ولد الرسول (صلى الله عليه وآله) سمع قائل يقول فوق الحجون:


 

  • فأقسم ما أنثى من الناس أنجبت كما ولدت زهرية ذات مفخر مجنبة لؤم القبائل ماجدة53

  • ولا ولد أنثى من الناس واحدة مجنبة لؤم القبائل ماجدة53 مجنبة لؤم القبائل ماجدة53

 

وروى أبي سلمة، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقف عام الفتح على الحجون، ثم قال [لأرض مكّة]: والله إنك لخير أرض الله، وإنك لأحبّ أرض الله إلى الله، ولو لم أُخرج منك ما خرجتُ...54.

وكان أيضاً لابن أبي ذر في أصل الحجون دار كان يسكنها55 بعض الناس يتصوّرون أن النبيَّ (صلى الله عليه وآله) وقومه وأنصاره قد بقوا في هذه المنطقة لمدّة ثلاث سنين محاصرين من قبيلة قريش، ويعدّون هذا المكان شعب أبي طالب، إلّا أنّ هذا التصوّر غير صحيح ، فشعب أبي طالب يقع قرب المسجد الحرام وإلى جبل أبي قبيس.